بين استدرار العاطفة والدفاع عن الدولة.. كيف يوظّف الإعلام المصري ملف اللاجئين السودانيين وحادثة شمال الوادي؟

النور آدم سلمان

 

مقال رأي |

في أعقاب حادثة المعدّنين السودانيين في منطقة شمال الوادي، برزت في الخطاب الإعلامي المصري موجة من المواقف المدافعة عن الدولة المصرية، اعتمد عدد منها على استدعاء العلاقات التاريخية بين الشعبين السوداني والمصري، والتأكيد على روابط الأخوة والجوار، إلى جانب إبراز استضافة مصر أعداداً من السودانيين الذين اضطروا إلى مغادرة بلادهم بسبب الحرب.

وبينما تتصاعد التساؤلات السودانية بشأن ملابسات الحادثة، والجهة المسؤولة عنها، والوضع الجغرافي والقانوني للمنطقة، يبرز سؤال جوهري: لماذا تتجه بعض الخطابات الإعلامية إلى استدعاء العاطفة والروابط الإنسانية بدلاً من التركيز على الوقائع والأدلة والإجابة عن الأسئلة التي يطرحها الرأي العام السوداني؟

لا يتعلق الأمر بحق الإعلاميين المصريين في الدفاع عن بلدهم؛ فهذا حق مشروع في أي نقاش عام. وإنما يتعلق بطبيعة الحجج المستخدمة، وما إذا كانت تساعد على توضيح الحقيقة، أم تتحول إلى وسيلة لاحتواء الغضب الشعبي وتجاوز جوهر القضية.

شمال الوادي.. حين تتقدم العاطفة على الأسئلة

عندما تقع حادثة يسقط فيها قتلى وجرحى، تصبح الأولوية لكشف ملابساتها وتحديد المسؤوليات بناءً على تحقيق موثوق. فالرأي العام لا يحتاج إلى خطابات عاطفية بقدر حاجته إلى إجابات واضحة.

أين وقع الحادث تحديداً؟ وما طبيعة العملية التي أدت إلى سقوط الضحايا؟ وما الأدلة المتاحة بشأن الجهة المنفذة؟ وما الإجراءات التي اتخذتها السلطات للتحقيق في الواقعة؟ وما حقيقة أعداد القتلى والمصابين؟

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تتصدر التغطية الإعلامية.

أما استحضار العلاقات التاريخية بين الشعبين، أو التحذير من أن تؤدي الحادثة إلى توتر العلاقات، فلا يجيب عن هذه التساؤلات. فالعلاقات بين الشعوب لا تُحمى بتجاوز الأسئلة المؤلمة، بل بالتعامل معها بشفافية واحترام لحقوق الضحايا.

ومن الضروري، في الوقت نفسه، التمييز بين الاتهامات المتداولة والوقائع المثبتة؛ إذ لا يكفي تداول رواية معينة لإثباتها، كما لا يكفي نفيها إعلامياً لدحضها. الفيصل هو الأدلة والتحقيق المستقل.

اللاجئون السودانيون.. من قضية إنسانية إلى حجة سياسية

لا يتوقف الجدل عند حادثة شمال الوادي، بل يمتد إلى توظيف ملف اللاجئين السودانيين في الخطاب الإعلامي المصري. ففي بعض المرافعات المدافعة عن الدولة، يجري استحضار استضافة السودانيين الفارين من الحرب باعتبارها دليلاً على متانة العلاقات بين البلدين، أو حجة للرد على الانتقادات الموجهة إلى السياسات المصرية.

وهنا يبرز سؤال مهم: هل ينبغي أن تتحول استضافة اللاجئين إلى رصيد سياسي يُستخدم في مواجهة المطالبات السودانية بكشف الحقيقة ومناقشة قضايا السيادة والحدود؟

من المؤكد أن استضافة السودانيين الفارين من الحرب قضية إنسانية مهمة، وأن ما يقدمه أفراد ومؤسسات من الشعب المصري من مساعدات وتضامن يستحق التقدير. كما أن حماية اللاجئين وصون كرامتهم مسؤولية إنسانية وقانونية لا ينبغي التقليل من شأنها.

لكن العمل الإنساني لا ينبغي أن يتحول إلى فاتورة سياسية يُطلب من اللاجئين أو شعوبهم سدادها بالصمت عن القضايا الخلافية.

فاللاجئ السوداني الذي غادر بلاده هرباً من الحرب لا يفقد حقه في التعبير عن رأيه، ولا يصبح ملزماً بتبني مواقف الدولة المضيفة. كما أن معاناته لا تمنح أي حكومة حصانة من النقد، ولا تجعل مناقشة سياساتها أمراً غير مشروع.

ومن المهم أيضاً التمييز بين الدولة المصرية والمجتمع المصري؛ فالمواطن الذي يقدم المساعدة للاجئ السوداني يقوم بعمل إنساني يستحق الاحترام، ولا يجوز تحميله مسؤولية كل سياسات حكومته. وفي المقابل، لا ينبغي استخدام جهود الإغاثة والمساعدات الإنسانية لإسكات الأسئلة المتعلقة بحقوق السودانيين.

إن التضامن الإنساني قيمة في حد ذاته، وليس منحة سياسية تمنح أصحابها حق تحديد ما يجوز للآخرين انتقاده.

حلايب وشلاتين.. ملف السيادة لا تحسمه العاطفة

تتداخل هذه النقاشات مع خلاف تاريخي بشأن منطقة حلايب وشلاتين وأبو رماد، التي تخضع للسيطرة والإدارة المصرية، بينما يتمسك السودان بمطالبته بالسيادة عليها.

وهذه قضية حدودية وسياسية منفصلة عن ملف اللاجئين، ويجب التعامل معها استناداً إلى الوثائق والاتفاقيات والخرائط والقواعد القانونية ذات الصلة، بعيداً عن الخطاب العاطفي أو المزايدات الإعلامية.

فإذا كان هناك خلاف بشأن السيادة على أرض معينة، فإن استضافة مواطني الدولة الأخرى لا تحسم ذلك الخلاف، مثلما أن وجود نزاع حدودي لا يبرر الإساءة إلى اللاجئين أو الانتقاص من حقوقهم.

كذلك، فإن تحديد الوضع القانوني والجغرافي لمنطقة شمال الوادي يتطلب أدلة موثوقة ووثائق رسمية وخرائط ذات صلة. ولا يصح الجزم بأن موقع الحادث يقع داخل حدود دولة بعينها اعتماداً على مقطع مصور أو خريطة غير موثقة وحدهما، من دون فحص مصادرهما وتحديد دلالتهما القانونية والجغرافية.

إن قضايا السيادة لا تُحسم بالمرافعات التلفزيونية، وإنما بالأدلة والوثائق والآليات القانونية والدبلوماسية المناسبة.

لماذا يُستدعى خطاب الأخوة في أوقات الأزمات؟

من الطبيعي أن تلجأ وسائل الإعلام إلى استحضار الروابط التاريخية والاجتماعية عندما تتوتر العلاقات بين الدول. وقد يكون الهدف أحياناً منع انتقال الخلافات السياسية إلى صراع بين المجتمعات، وهو هدف مشروع في حد ذاته.

لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول الدعوة إلى الأخوة إلى وسيلة لتجاوز الوقائع، أو عندما يُصوَّر الاعتراض على سياسة حكومية باعتباره عداءً لشعب بأكمله.

فالاعتراض على أداء حكومة لا يعني العداء لمواطنيها، والمطالبة بالتحقيق في مقتل مواطنين لا تعني رفض العلاقات بين الدولتين، كما أن مناقشة النزاع الحدودي لا تعني بالضرورة التحريض ضد الشعب الآخر.

ولا يمكن الجزم بأن جميع الإعلاميين المصريين يتبعون نهجاً واحداً، أو أن كل حديث عن العلاقات الإنسانية يستهدف التبرير. لكن من حق الجمهور أن يقيّم الخطاب الإعلامي وفق محتواه، ومدى استناده إلى الأدلة، وقدرته على الإجابة عن الأسئلة المطروحة.

العاطفة قد تفسر المواقف، لكنها لا تثبت الوقائع، ولا تُسقط المسؤولية، ولا تحسم النزاعات الحدودية.

مسؤولية الإعلام.. الدفاع عن الدولة أم مساءلة السلطة؟

الإعلام الوطني يستطيع الدفاع عن مصالح بلده وتقديم الرواية الرسمية، لكنه لا ينبغي أن يتخلى عن وظيفته الأساسية في التحقق من المعلومات ومساءلة السلطة.

وفي قضية شمال الوادي، يمكن للإعلام المصري أن يقدم ما لديه من وثائق وأدلة بشأن الموقع والعملية وملابسات الحادثة، وأن يرد على الاتهامات الموجهة إلى السلطات المصرية بمعلومات قابلة للتحقق.

وفي المقابل، تقع على الإعلام السوداني مسؤولية مهنية مماثلة؛ تتمثل في التحقق من أعداد الضحايا، وفحص المواد المصورة، والتمييز بين المعلومات المؤكدة والاتهامات، وعدم نشر نتائج نهائية قبل توافر أدلتها.

ولا ينبغي أن يتحول هذا الملف إلى معركة لتبادل الاتهامات بين الشعبين، بل إلى قضية تتطلب تحقيقاً شفافاً، ومعلومات دقيقة، ومساءلة تستند إلى ما تثبته الأدلة.

إن استخدام معاناة اللاجئين للدفاع عن موقف سياسي، إذا حدث، لا يجيب عن الأسئلة المتعلقة بحادثة شمال الوادي. كما أن المطالبة بكشف الحقيقة لا تعني إنكار الجهود الإنسانية التي يقدمها أفراد أو مؤسسات مصرية للسودانيين.

لكل ملف أسئلته ومعاييره، والخلط بينها لا يخدم الحقيقة.

ما الذي يحتاج إليه الرأي العام السوداني؟

بدلاً من الاستغراق في سجال عاطفي، ينبغي أن ينصب النقاش على مطالب واضحة:

1. كشف ملابسات الحادثة: نشر نتائج التحقيق والأدلة المتاحة بشأن الجهة المسؤولة والظروف التي أدت إلى سقوط الضحايا.
2. تحديد الموقع بدقة: فحص الخرائط والوثائق الرسمية والبيانات الجغرافية ذات الصلة لتوضيح موقع الحادث ووضعه القانوني.
3. توثيق الضحايا: التحقق من أعداد القتلى والمصابين وظروف الحادثة، بالتنسيق مع الجهات المعنية.
4. الفصل بين الملفات: عدم استخدام استضافة اللاجئين للرد على المطالبات بالتحقيق، وعدم استخدام الخلافات السياسية لتبرير الإساءة إلى اللاجئين.
5. حماية حق النقد: احترام حق السودانيين والمصريين في مناقشة سياسات حكوماتهم من دون تحويل الخلاف السياسي إلى عداء جماعي.

هذه المطالب لا تستهدف التصعيد، وإنما تضع أساساً مهنياً لمعالجة أزمة تمس حياة مواطنين وحقوق أسرهم، وتحمي في الوقت نفسه العلاقات الاجتماعية من الوقوع رهينة للاستقطاب الإعلامي.

الخلاصة.. الأخوة ليست صك براءة

إن استدعاء العلاقات التاريخية، واستضافة اللاجئين، والروابط الإنسانية بين الشعبين السوداني والمصري، لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن مناقشة الوقائع أو إلى وسيلة لإسكات الأسئلة المشروعة.

فالسوداني الذي يطالب بكشف حقيقة ما جرى للمعدّنين لا يحتاج إلى إثبات حبه للشعب المصري قبل أن يمارس حقه في السؤال. واللاجئ الذي يعيش في مصر لا ينبغي أن يُحمَّل مسؤولية مواقف حكومة بلده، أو أن يُطلب منه الصمت مقابل حصوله على الحماية. كما أن المواطن المصري الذي يقدم المساعدة للاجئين لا يجوز أن يُعامل باعتباره مسؤولاً عن كل خلاف سياسي بين الدولتين.

المشكلة ليست في الحديث عن الأخوة، ولا في الاعتراف بقيمة استضافة اللاجئين؛ المشكلة تبدأ عندما تُستخدم هذه القيم الإنسانية لتجاوز أسئلة الحقيقة والعدالة والسيادة.

إن العلاقات بين الشعوب لا تقوم على تبادل الامتنان السياسي، ولا تستقر عبر مطالبة المتضررين بالصمت، بل تقوم على الاحترام المتبادل، والشفافية، والقدرة على معالجة الخلافات من دون إنكارها.

وفي حادثة شمال الوادي، تبقى الأولوية لكشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات وفق تحقيق موثوق. أما ملف اللاجئين، فيجب أن يظل ملفاً إنسانياً تحكمه الكرامة والحماية والحقوق، لا ورقة للمساومة الإعلامية.

الأخوة لا تعني الصمت، واستضافة اللاجئين ليست صك براءة سياسياً، والسيادة لا تُحسم باستدرار العاطفة. وحدها الحقيقة الموثقة قادرة على وضع النقاش في مساره الصحيح.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.