من ينتظر من البرهان الدفاع عن حرمة دماء وكرامة السودانين فهو واهم!!

علاء خيراوي

■ والأمر الذي أراه أشد خطورة ودلالة من استقبال السفير المصري نفسه هو توقيت ذلك الاستقبال؛ فقد كان بوسع البرهان تأجيل مراسم تسلّم أوراق الاعتماد يوماً أو أياماً، احتراماً لدماء السودانيين التي لم تجف بعد، وإلى حين مطالبة القاهرة بتفسير واضح للاتهامات الموجهة إلى طيرانها. لم تكن هناك ضرورة وطنية معلنة تفرض إقامة المراسم في ذلك اليوم تحديداً، ولم يكن تأجيلها إعلاناً للحرب على مصر أو قطيعة معها، بل كان سيعبر، على الأقل، عن بقية من احترام لكرامة الدولة التي يدّعي الرجل رئاستها. غير أن البرهان اختار المضي في الاستقبال، بينما تتوالى أنباء الضحايا، وكأن شيئاً لم يحدث، وكأن دماء هؤلاء السودانيين لا تستحق حتى تعديل موعد في جدول أعماله! وأنا لا أقرأ هذا التصرف باعتباره مجرد مصادفة بروتوكولية، وإنما أراه رسالة سياسية متعمدة في دلالتها، مفادها أن العلاقات مع القاهرة، وما تقوم عليه من حسابات ومصالح، تسبق في أولويات هذه السلطة دماء المواطنين وكرامتهم. والأمر عندي لا ينفصل عن موقف البرهان عقب الاعتداء الأول في يونيو الماضي، حين خرج بخطابه البائس الذليل، يتحدث عن سودانيين عبروا الحدود وتعرضوا لاعتداء، ثم انصرف إلى تحذير المواطنين من تجاوزها، وكأن المشكلة في الذين سقطوا ضحايا، لا في الجهة المتهمة بقصفهم! يومها لم يسمِّ مصر في معرض المساءلة، ولم يوجه إليها احتجاجاً علنياً بحجم المأساة، بل اختار خطاباً بدا أقرب إلى تبرير الرواية المصرية منه إلى الدفاع عن حقوق مواطنيه. وها هي الاتهامات تتجدد بعد أقل من أربعة أشهر، بينما لا تزال نتائج التحقيق الذي تحدث عنه غائبة عن الرأي العام، ويطل البرهان مجدداً من القصر الجمهوري مستقبلاً سفير القاهرة الجديد. فهل بقي معنى للسيادة الوطنية في قاموس هذا الرجل، أم أنها مجرد سلاح يشهره في وجوه خصومه السودانيين، ثم يعيده إلى غمده كلما تعلق الأمر بحلفائه؟! أما أنا، فإنني أذهب في قراءتي السياسية إلى أبعد من اتهام البرهان بالصمت أو التخاذل؛ فمجمل سلوكه، وموقفه من اعتداء يونيو، وطريقة تعامله مع الاتهامات الجديدة، وتوقيت استقباله السفير المصري، كلها تجعلني أطرح احتمال علمه المسبق بما كان يجري، بل واحتمال موافقته عليه، باعتباره فرضية سياسية جدية تستوجب التحقيق والمساءلة. ولا أرى في هذه الوقائع مجرد عجز عن الدفاع عن السيادة، وإنما أرى ما يدعو إلى مساءلة البرهان عن حدود علمه ودوره ومسؤوليته. فالرجل الذي يطالب السودانيين كل يوم بالتضحية دفاعاً عن الوطن، مطالب أولاً بأن يشرح لهم لماذا لم تُقابل دماء مواطنيهم بالموقف الذي تستحقه، ولماذا بدت علاقاته بالقاهرة أكثر حصانة من أرواح السودانيين أنفسهم؟! 

■ وأمام هذه المأساة، فإن المسؤولية الوطنية والأخلاقية لم تعد تحتمل مزيداً من الانتظار أو الاكتفاء ببيانات الشجب والإدانة؛ وعلى القوى المدنية والديمقراطية، وتحالفاتها السياسية، والنقابات المهنية والعمالية، ولجان المقاومة، ومنظمات حقوق الإنسان، أن تنتزع هذه القضية من دائرة الصمت الرسمي، وأن تجعل منها قضية رأي عام وطني لا يستطيع البرهان ولا حكومته دفنها تحت ركام المجاملات الدبلوماسية. والمطلوب موقف وطني موحد يتضمن مطالب محددة لا تقبل التسويف؛ إعلان الحصيلة الحقيقية للقتلى والجرحى والمفقودين ونشر أسمائهم، وتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة تتمتع بصلاحيات الوصول إلى مواقع القصف، وتحديد هوية الطائرات والجهات التي أصدرت أوامر الهجوم، والكشف عن نتائج التحقيق المزعوم في اعتداءات يونيو، ومطالبة القاهرة بتفسير رسمي ومحاسبة المسؤولين متى ثبت تورطهم، وتعويض أسر الضحايا، وتوفير الرعاية الطبية العاجلة للمصابين وضمان حماية المعدنين السودانيين من تكرار هذه الاعتداءات. وعلى القوى المدنية والنقابات أن تخاطب الاتحاد الأفريقي ومجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية، وأن تنظم حملة سلمية واسعة توثق الجريمة وتلاحق المسؤولية عنها، وألا تسمح بتحويل دماء الفقراء إلى ملف سري تتفاوض حوله الأجهزة العسكرية بعيداً عن أعين الشعب. بل إنني أذهب إلى أبعد من ذلك؛ إذ أطالب بأن تشمل أي مساءلة مستقلة تحديد ما إذا كانت قيادة السلطة السودانية قد تلقت معلومات مسبقة عن العمليات، وما إذا كانت قد منحت أي موافقة عليها أو تجاهلت تحذيرات بشأنها؛ فلا يجوز أن يظل البرهان خارج نطاق المساءلة لمجرد أنه يجلس على رأس المؤسسة التي يفترض أن تحمي البلاد. ولتعلم القوى المدنية أن امتحانها الحقيقي ليس في عدد البيانات التي تصدرها، ولا في براعتها في إدانة الجنرالات، وإنما في قدرتها على تحويل غضب السودانيين إلى فعل مدني منظم ينتزع الحقيقة والعدالة. فإن عجزت عن ذلك، وتركت هؤلاء الضحايا نهباً للصمت والمساومات، فبأي حق ستطالب الشعب غداً بأن يمنحها ثقته لقيادة السودان الجديد؟! لقد آن الأوان أن يدرك الجميع أن دماء السودانيين ليست ملكاً للبرهان حتى يساوم عليها، ولا ملكاً للأحزاب حتى توظفها، ولا رقماً عابراً في تقارير المنظمات؛ إنها أرواح مواطنين كان يفترض أن تحميهم دولتهم. وإذا كان الجنرال قد اختار أن يجعل علاقاته وتحالفاته فوق مقتضيات المساءلة، فعلى القوى المدنية أن تثبت أن هناك سوداناً آخر لا يقبل هذه المعادلة؛ سوداناً تكون فيه كرامة المواطن فوق كرامة الحاكم، وحياته أغلى من كل التحالفات، وسيادته حقاً لا يتصرف فيه جنرال. فالسكوت عن دماء الفقراء ليس حياداً، والتقاعس عن المطالبة بحقوقهم ليس حكمة، وترك الحقيقة رهينة لإرادة السلطة ليس سياسة؛ إنه تخلٍّ عن المسؤولية الوطنية في لحظة لا تحتمل التخاذل. ومن يعجز اليوم عن الوقوف في وجه هذا الصمت، لن يكون مؤهلاً غداً للحديث باسم الضحايا أو الوعد ببناء وطن يليق بهم!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.