في ظل التداعيات المستمرة للحرب وتأثيرها المباشر على الأنشطة الإنتاجية في السودان، شهدت أسواق المحاصيل الزراعية موجة ارتفاع جديدة وحادة في الأسعار. فقد رصدت «منصة عين الحقيقة» من خلال متابعة التقارير الميدانية، أبرزها ما نشرته صحيفة «الهدف»، قفزات قياسية في أسعار الحبوب والمحاصيل الاستراتيجية داخل بورصة القضارف شرق البلاد، مما ينذر بتفاقم أزمة الأمن الغذائي ويزيد من الضغوط المعيشية المتراكمة على المواطنين.
أظهرت بيانات الرصد لأسعار المحاصيل الزراعية مستويات قياسية غير مسبوقة: الدخن الأبيض: سجل أعلى مستويات الارتفاع متجاوزاً حاجز المليون جنيه، حيث تراوحت الأسعار للأردب الواحد بين 1.14 مليون و1.15 مليون جنيه. الذرة (الفتريتة والعكر وود أحمد): تراوح سعر أردب الفتريتة بين 950 ألف و960 ألف جنيه (مقترباً بشدة من حاجز المليون). تراوح سعر أردب العكر بين 940 ألف و950 ألف جنيه. تراوح سعر أردب ود أحمد بين 940 ألف و950 ألف جنيه. تراوح سعر أردب الدبر بين 880 ألف و900 ألف جنيه. السمسم: تراوح سعر القنطار الواحد بين 520 ألف و530 ألف جنيه.
تأتي هذه الزيادات المتسارعة وسط حالة ترقب وحذر شديدين تسود المتعاملين في سوق المحاصيل بالقضارف، في ظل غياب شبه تام للبيانات الرسمية التي توضح الأسباب الجذرية وراء هذا الارتفاع المفاجئ وحجم تأثيره المباشر على حركة التداول والسيولة.
استطلعت «منصة عين الحقيقة» آراء عدد من الخبراء الاقتصاديين والمحللين الزراعيين للوقوف على أبعاد هذه الموجة التضخمية وتفسير دوافعها: د. عبد العظيم التوم (خبير واقتصادي زراعي): يؤكد لـ«عين الحقيقة» أن ولاية القضارف، التي تُعد سلة غذاء رئيسية وملاذاً للإنتاج الزراعي في ظل خروج مناطق واسعة من دائرة الإنتاج، تعاني اليوم من اختناقات حادة في سلاسل الإمداد والنقل. ويرى أن الارتفاع الجنوني في أسعار الذرة والدخن يعود بشكل رئيسي إلى ارتفاع تكاليف الترحيل، وانعدام الدعم الحكومي للوقود والمدخلات الزراعية، فضلاً عن تهاوي القيمة الشرائية للعملة الوطنية. ويحذر من أن استمرار هذا الصعود يهدد بتحويل الغذاء الأساسي إلى سلعة عصية على المنال بالنسبة للشرائح الضعيفة والنازحين.
أستاذة ميسون الفاتح (باحثة في اقتصاديات الحرب والأمن الغذائي): تشير في قراءتها للوضع إلى أن غياب الشفافية والبيانات الرسمية من إدارات الأسواق والبورصات يعكس حالة من الضبابية التامة التي تسيطر على الأسواق السودانية. وتضيف لـ«عين الحقيقة» قائلة: “إن الأسعار الحالية في بورصة القضارف لا تعبر فقط عن قانون العرض والطلب، بل تعكس بوضوح هيمنة ما يُسمى باقتصاديات الاحتكار وتخزين السلع كأداة تحوط ضد تدهور الجنيه المستمر، وهو ما ينذر بمجاعة صامتة تهدد ملايين الأسر إن لم تدخل تدخلات عاجلة لتنظيم الأسواق وحماية القدرة الشرائية للمستهلكين”.
يلفت متعاملون في سوق القضارف إلى أن تراجع حجم الوارد إلى السوق مقارنة بحجم الطلب المحلي وحركة النزوح الكثيفة نحو الشرق، قد سهم بشكل مضاعف في خلق هذه الفجوة السعرية الكبيرة، وسط مخاوف من امتداد الأزمة لتشمل بقية السلع الاستهلاكية الضرورية مع اقتراب المواسم القادمة.
تؤكد هذه المؤشرات المقلقة في بورصة القضارف أن الأزمة الاقتصادية في السودان تتخذ أبعاداً معقدة تمس مباشرة لقمة عيش المواطن. ويبقى التدخل العاجل، وتأمين مسارات التجارة الداخلية، وإيجاد آليات رقابية فعالة ضرورة قصوى للحد من تفاقم كارثة إنسانية وغذائية تمتد جذورها أعمق مع استمرار أمد الحرب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.