الجوع جريمة حرب .. الموت الصامت لأطفال السودان

نورا عثمان

تشير تقارير دولية لقراءة مأساوية صادمة للمشهد الإنساني في السودان، 825 ألف طفل دون سن الخامسة مهددون بسوء التغذية الحاد الوخيم خلال عام 2026.  التقرير، إذ يستند إلى أرقام صادرة عن وكالات الأمم المتحدة (يونيسف، منظمة الأغذية والزراعة، وبرنامج الأغذية العالمي)، لا يقدم مجرد إحصائيات عدديّة صماء، بل يفتح النافذة على كارثة إنسانية وسياسية وأخلاقية تُصنف كأحد أبشع أشكال الجرائم غير المباشرة ضد الإنسانية في التاريخ الحديث.
الارتفاع بنسبة 7% مقارنة بعام 2025، ونحو 25% مقارنة بما قبل الحرب، هو مؤشر خطير يدل على أن الأزمة ليست عابرة بل ذات اتجاه تصاعدي حاد ومستمر. انهيار إقليمي (دارفور وكردفان): تسجيل نسبة سوء تغذية حاد عام بلغت 52.9% في أم برو و34% في كرنوي يتجاوز بكثير عتبة الطوارئ العالمية المحددة بـ 15%. هذا يعني عملياً أن أكثر من نصف أطفال بعض المناطق أصبحوا على حافة الموت، وهو ما يحول التوصيف الطبي للأزمة إلى “مجاعة مصلتة”.
معدلات سوء التغذية الحاد في بعض المناطق مقارنة بحد الطوارئ الدولي،  حد الطوارئ العالمي (منظمة الصحة العالمية): [15%] ، منطقة كرنوي (شمال دارفور): [34%] ، منطقة أم برو (شمال دارفور): [52.9%]. من المهم القول أن هناك نقطة جوهرية تتلخص في أن أزمة سوء التغذية ليست مجرد “نقص في الطعام”، بل هي النتيجة الحتمية لـ: تدمير البنية التحتية: خروج 37% من المرافق الصحية عن الخدمة في 2026 يجرّد الأطفال من درع الحماية الأخير. اقتصاد التفقير: فقدان مصادر الدخل، انهيار الجنيه، وتوقف سلاسل الإمداد تحول الطعام إلى سلعة رفاهية لا تطيقها الأسر النازحة. سلاح الجوع: تعمد أطراف الصراع فرض القيود على حركة الإغاثة والفرق الطبية المتنقلة يحول الجوع وسوء التغذية من نتاج جانبي للحرب إلى سلاح مواجهة غير معلن. على الرغم من القوة الرقمية والتحليلية التي قدمها تقرير «الميدان»، إلا أن هناك زوايا نقدية وحقائق مسكوت عنها يجب تسليط الضوء عليها:
إلقاء اللوم على “الحرب” ككيان هلامي يغفل المسؤولية الجنائية والسياسية لأطراف النزاع التي تتخذ من حصار المدنيين وتجويعهم تكتيكاً عسكرياً. هناك فجوة في التمويل، ويجب إدانة تقاعس القوى الدولية والإقليمية التي تنفق المليارات على التسليح والصراعات، بينما تعجز عن سد الفجوة التمويلية الزهيدة لإنقاذ مئات الآلاف من الأطفال الرضع من الموت المباشر.
الآثار المستدامة لجيل محطَم: سوء التغذية الحاد الوخيم ليس مجرد خطر وفاة عاجل؛ بل هو إعاقة دائمية للقدرات العقلية والجسدية لأولئك الذين ينجون منه. هذا يعني أن الحرب لا تقتل الإنسان اليوم فحسب، بل تغتال رأس المال البشري لسودان الغد.
ما يحدث يضع المجتمع الدولي والأطراف المتصارعة أمام مرآة الحقيقة الحافية. لم يعد التنديد والمطالبة بالقلق الإنساني يجدي نفعاً أمام أرقام تتجاوز النصف مليون طفل محكوم عليهم بالإعدام ببطء. الشعار المطروح “أوقفوا الحرب” ليس مجرد مطلب سياسي أو رفاهية تفاوضية، بل هو الروشتة الطبية الوحيدة والملاذ الأخير لمنع تحول السودان إلى مقبرة جماعية لأطفاله. يجب فرض مسارات إنسانية آمنة بقوة القانون الدولي، ومحاسبة كل من يستخدم التجويع كأداة حرب، قبل أن يفوت الأوان وتتحول هذه الأرقام إلى وصمة عار تاريخية لا تمحى.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.