متى نستيقظ؟.. ليس قدراً أن نُهان
بقلم: يوسف عزالدين
هل كُتب علينا الذل؟
هل قُدّر للسوداني أن يموت مرتين؛ مرة جوعاً وقهراً في الداخل، ومرة قصفاً وإهانة في الخارج؟
هل أصبح جوازنا لعنة تطاردنا في المطارات والمعابر والصحاري؟
هذا ليس سؤالاً عابراً، بل صراخ أمة كاملة تفرّقت في الأرض أمماً، بعد أن كانت ملء السمع والبصر.
في الداخل، أعراض تُنتهك، وبيوت تُنهب، ونساء يُبعن في أسواق الحرب، ورجال يُقتلون على الهوية. في الخرطوم ودارفور والجزيرة، أصبح الموت روتيناً يومياً، والقتلة يصوّرون جرائمهم بلا خجل؛ لأنهم يعلمون أن لا دولة ستحاسبهم.
وفي الخارج، تتكرر المذلة بوجه آخر. في صحراء العقيدات، وعلى أرضنا، يسقط 72 شاباً سودانياً بقصف جوي أجنبي. شباب لم يحملوا سلاحاً، بل حملوا طورية وحلماً بجرام ذهب يطعمون به أطفالهم. قُصفوا وهم عراة إلا من الفقر، ثم قيل لنا في بيان بارد: «حادث أليم».
أي ألم هذا الذي يوصف به قتل العشرات؟ لو كانوا 72 من جنسية أخرى، لقامت الدنيا ولم تقعد، لكنهم سودانيون، فدمهم رخيص في بورصة السياسة.
المؤلم ليس القصف وحده، بل الصمت. صمت الدولة التي يُفترض أنها أمٌّ لمواطنيها، وصمت الساسة الذين يملأون الفضائيات صراخاً عن الوطنية، ثم يخرسون عندما يتعلق الأمر بكرامة مواطنيهم.
لماذا؟
لأن المواطن، في حساباتهم، مجرد رقم، أو وقود للحرب، أو ورقة تفاوض.
لم نسمع وزيراً يستقيل، ولا سفيراً يُستدعى، ولا حتى خطاباً غاضباً يليق بحجم الفجيعة.
سمعنا عن لجنة تحقيق، تلك اللجنة التي أصبحت مقبرة لكل الحقائق في السودان.
لماذا يحتقرنا الجوار؟ لنكن صريحين.
العالم لا يحترم الضعيف، ولا يحترم المنقسمين.
نحن قدّمنا أنفسنا للعالم كشعب يتقاتل، وقبائل تذبح بعضها بعضاً، وجيشين يتصارعان على سلطة وهمية فوق ركام وطن.
كيف نطلب من المصري أو التشادي أو الليبي أن يحترمنا ونحن لا نحترم بعضنا بعضاً؟
نحن من بدأنا احتقار بعضنا بكلمات مثل «عب» و«جلابي» و«غرابي» و«فلنقاي». لم يفعل الجار سوى أنه أكمل ما بدأناه.
العالم طمع فينا لأننا تركنا الباب مفتوحاً. ذهبنا الذي يُقتل أبناؤنا من أجله في الصحراء، يطير كل يوم أطناناً إلى الخارج، ليبني قصور غيرنا، بينما نسكن الخيام.
أرضنا الخصبة تُزرع لغيرنا، ونحن نستجدي الإغاثة. نيلنا يجري، ونشرب من مياه ملوثة، ليس لأننا فقراء، بل لأننا بلا إدارة، وبلا رؤية، وبلا ضمير يجمعنا.
حتى متى نموت في مزبلة العالم؟
حتى متى ندفن رؤوسنا؟
الحقيقة المُرّة أن الذل لم يكتبه الله علينا؛ نحن كتبناه على أنفسنا يوم اخترنا القبلية على الوطنية، والكرسي على الوطن، والصمت على الحق.
يوم سكتنا عن اغتصاب بناتنا لأنهن من قبيلة أخرى، وسكتنا عن قتل أولادنا لأنهم من إقليم آخر.
إن الضمير لا يوقظه بيان إدانة، بل يوقظه أن نعرف أن كرامة السوداني في أسوان هي نفسها كرامة السوداني في الجنينة، وأن دم الدهّابة على الحدود هو نفسه دم الطبيب في الخرطوم، وأن عِرض المرأة في دارفور هو عِرضنا جميعاً.
لن يعود إلينا الاحترام إلا بثلاثة أمور: دولة واحدة بجيش واحد، لا ميليشيات؛ وعدالة تحاسب القاتل، أياً كان انتماؤه أو رتبته أو دولته؛ ومصالحة وطنية.
وإلا، فسنظل نطرح السؤال نفسه كل عام، بينما نزداد تشرداً وفقراً وموتاً، ويزداد العالم طمعاً في جثتنا.
استيقظوا.. فالموت المجاني لا يليق بشعب علّم العالم الكبرياء.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.