ما وراء شمال الوادي… المسكوت عنه في صراع النفوذ على السودان

 النور آدم سلمان

 

ليس كل ما يحدث في السودان يمكن قراءته من خلال العناوين الإخبارية وليس كل ما يظهر في واجهة الأحداث يمثل القصة كاملة

أحيانا تكون الحادثة أكبر من موقعها الجغرافي وأعمق من تفاصيلها المباشرة لأن ما يجري خلف المشهد قد يرتبط بمصالح اقتصادية وحسابات سياسية وصراعات نفوذ لا تظهر كلها إلى العلن

ومن هنا فإن ما حدث في شمال الوادي لا يطرح سؤال المسؤولية عن سقوط الضحايا فحسب بل يفتح الباب أمام سؤال أوسع يتعلق بموقع السودان في حسابات القوى الإقليمية والدولية

هل ننظر إلى ما حدث باعتباره حادثة منفصلة أم أننا بحاجة إلى قراءة المشهد السوداني من زاوية أوسع

هذا السؤال لا يعني الجزم بوجود مخطط خفي ولا يبرر توجيه اتهامات بلا أدلة لكنه يدعونا إلى التفكير فيما وراء الرواية المباشرة للأحداث

السودان ساحة تتقاطع فيها المصالح

السودان ليس مجرد بلد يعيش حربا داخلية بل دولة تمتلك موقعا جغرافيا استراتيجيا وثروات معدنية وأراضي زراعية وموارد مائية وساحلا على البحر الأحمر

وهذه المقومات تجعل استقراره ومستقبل سلطته وعلاقاته الخارجية مسائل تتجاوز حدوده الوطنية

في مثل هذه البيئة لا تكون العلاقات بين الدول دائما قائمة على الصداقة أو العداء المطلق فقد تتعاون أطراف في ملف أمني وتختلف في ملف اقتصادي وقد تتقاطع مصالحها في مرحلة ثم تتنافس على النفوذ في مرحلة أخرى

وهنا تكمن إحدى النقاط التي تحتاج إلى فهم أعمق

فليس بالضرورة أن تكون التحالفات المعلنة انعكاسا كاملا لما يدور في الغرف المغلقة كما أن وجود تنافس إقليمي لا يعني تلقائيا أن كل حادثة تقع في السودان جزء من ذلك التنافس

المطلوب هو قراءة المصالح كما هي وفحص الأدلة التي تربطها بالأحداث بدلا من الاكتفاء بالشعارات السياسية

الذهب الذي يتجاوز حدود المنجم

عندما نتحدث عن شمال الوادي فإن الحديث لا ينفصل عن التعدين التقليدي والذهب الذي يمثل مصدر رزق لآلاف السودانيين

لكن الذهب في زمن الحرب يمكن أن يتحول من مورد اقتصادي إلى عنصر مؤثر في موازين القوة إذا ارتبط بتمويل الأنشطة المسلحة أو شبكات التهريب أو المصالح التجارية العابرة للحدود

والسؤال الذي يستحق البحث هنا ليس فقط من يملك المنجم أو من يعمل فيه بل من يشتري الذهب ومن ينقله ومن يستفيد من تصديره وأين تذهب عائداته

إن تتبع هذه السلسلة قد يكشف شبكات مصالح لا تظهر في البيانات السياسية ولا في التصريحات الرسمية

وإذا كان القصف قد أدى إلى تعطيل النشاط في منطقة معينة أو تغيير حركة المعدّنين أو طرق نقل الذهب فإن معرفة المستفيد من هذه النتائج تصبح جزءا مهما من التحقيق

لكن ينبغي ألا نخلط بين الاستفادة المحتملة والمسؤولية عن الهجوم فالأولى فرضية تستحق الفحص والثانية تحتاج إلى أدلة تثبتها

من يحسب حساب السودان

من المسكوت عنه في النقاش السوداني أن كثيرا من التحليلات تركز على الأطراف المحلية بينما لا تمنح المصالح الإقليمية والاقتصادية القدر نفسه من الاهتمام

فمستقبل السودان يؤثر في أمن الحدود وحركة التجارة وطرق البحر الأحمر وتوازنات المنطقة كما أن الحرب تفتح المجال أمام تنافس على الموارد والنفوذ والعلاقات مع القوى المحلية

وفي هذا السياق يمكن أن تتعايش التحالفات مع المنافسة وأن تتغير الأولويات بحسب الملف والمرحلة

قد تتفق أطراف على ضرورة منع انهيار الدولة لكنها تختلف بشأن القوى التي ينبغي أن تديرها أو شكل السلطة التي يجب أن تقوم فيها

وقد تتقاطع مصالح اقتصادية مع حسابات أمنية دون أن يعني ذلك وجود اتفاق شامل بين جميع الأطراف

هذه احتمالات سياسية معقولة من حيث المبدأ لكنها لا تصبح تفسيرا لحادثة شمال الوادي إلا عندما تسندها وقائع موثقة

وهنا تحديدا يجب أن ينتقل النقاش من تبادل الاتهامات إلى البحث في القرارات والتحركات والاتصالات والمصالح التي يمكن إثباتها

المسكوت عنه ليس دائما مؤامرة

هناك فرق بين وجود معلومات لم تُكشف بعد وبين الادعاء بأن هناك مخططا سريا متكاملا

فالمعلومات العسكرية قد تبقى سرية والمصالح الاقتصادية قد لا تكون معلنة بالكامل والقرارات السياسية قد تتخذ بعيدا عن الرأي العام لكن هذه الحقائق العامة لا تكفي وحدها لإثبات وجود علاقة خفية بين أطراف محددة وحادثة بعينها

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الغموض إلى دليل وأن تصبح الشكوك حقائق متداولة لمجرد أنها تبدو منطقية

وفي المقابل فإن الاكتفاء بالروايات الرسمية دون مساءلة أو تحقيق مستقل ليس طريقا كافيا للوصول إلى الحقيقة

الموقف المهني يقتضي الشك المنهجي في الروايات المتعارضة وفحصها بالأدلة وعدم منح أي طرف حصانة من الأسئلة

فالحقيقة لا تخدم جهة بعينها وإنما تخدم حق المواطنين في المعرفة والمحاسبة

شمال الوادي واختبار السيادة

عندما يسقط مواطنون سودانيون في منطقة حدودية فإن القضية لا تتعلق فقط بهوية الجهة المسؤولة عن الهجوم بل أيضا بقدرة الدولة على حماية مواطنيها وتوثيق ما حدث ومحاسبة المسؤولين عنه

السيادة لا تتحقق بالبيانات وحدها ولا بالشعارات الغاضبة بل بوجود مؤسسات قادرة على جمع الأدلة وإجراء التحقيقات وإعلان النتائج واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة

وإذا ثبت أن القصف نُفذ من جهة خارجية داخل الأراضي السودانية فإن ذلك يطرح أسئلة قانونية وسيادية جوهرية ينبغي التعامل معها عبر الأدلة والآليات المناسبة

أما إذا كانت هناك ملابسات أخرى فإن واجب التحقيق هو كشفها أيضا دون انتقاء أو إخفاء

والأهم ألا تتحول القضية إلى مادة للاستهلاك السياسي ثم تختفي من الاهتمام العام قبل أن تعرف الأسر مصير أبنائها وقبل أن تتحدد المسؤوليات

السؤال الذي يجب ألا يغيب

من المستفيد من تغير موازين القوة في المناطق الحدودية

من يملك القدرة على التأثير في حركة الذهب والتجارة والأمن

ما المصالح التي تتقاطع في السودان وما الأدلة التي تكشف طبيعة هذا التقاطع

ولماذا لا تتحول الحوادث التي تسقط فيها أرواح السودانيين إلى تحقيقات مستقلة تنشر نتائجها للرأي العام

هذه الأسئلة لا تجيب عنها منشورات الغضب وحدها ولا تكفي فيها القراءات السياسية مهما بلغت قوتها

إنها تحتاج إلى صحافة استقصائية تتبع المال والموارد والقرارات وتفحص الوثائق وتستمع إلى الأطراف المختلفة وتكشف ما يمكن إثباته

إن شمال الوادي قد يكون مدخلا لفهم جانب من المشهد السوداني الأوسع لكن تحويله إلى دليل على صراع خفي يتطلب أكثر من الربط بين الأحداث والتحالفات

المهم ألا نحصر القضية في سؤال من قصف ومن رد فقط بل أن نبحث أيضا في السياق الذي وقعت فيه الحادثة والمصالح التي يمكن أن تتأثر بنتائجها والجهات التي تملك معلومات لم تُكشف بعد

فالسودان لا يحتاج إلى روايات جديدة تضاف إلى روايات الحرب بقدر ما يحتاج إلى حقائق موثقة تكشف المسؤوليات وتحمي حقوق المواطنين

المسكوت عنه في السودان ليس بالضرورة ما يخفيه الآخرون عنا فقط بل قد يكون أيضا ما لم نمنح أنفسنا الوقت الكافي للبحث عنه

وليس كل ما يُعرف يقال لكن ما يُقال باسم الحقيقة يجب أن يكون مدعوما بالدليل

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.