حين يعود المعلم السوداني، مربي الأجيال وباني عقول الأمة، إلى إشهار سلاح الإضراب والامتناع عن العمل، فهذا ليس مجرد قرار نقابي عابر، بل هو زلزال مدوٍ يضرب أرض العجز والفساد، وصراخ غاضب في وجه سلطة لا تقيم وزناً للعلم ولا للكرامة الإنسانية. إن إضراب المعلمين ليس ترفاً، بل هو العنوان الأصدق لمعركة الوجود والكرامة في بلد تحولت فيه حقوق العاملين إلى فريسة تتقاسمها مافيا السلطة والتمكين، بينما يجلس المعلم في قاع السلم الاجتماعي يصارع الجوع والغلاء الفاحش.
دماء الكرامة.. لماذا يعود المعلمون إلى الشارع؟ لقد صبر المعلم السوداني صبر أيوب؛ تحمّل تداعيات الحرب، وقهر النزوح، وتشرد الأسر، واستمر في أداء رسالته المقدسة بحد الأدنى -بل ودون الأدنى- من مقومات الحياة. لكن في المقابل، ماذا جازته هذه السلطة العرجاء في بورتسودان وغيرها؟ فتات المرتبات وقيمتها الميتة: مرتبات لا تساوى حبر القلم الذي يكتب به المعلم، تتآكل تحت وطأة تضخم تجاوز الحدود، بينما تتكدس المليارات في خزائن لصوص المال العام وتجار الحروب.
الوعود الكاذبة والتسويف: لغة التسويف، والوعود العرقوبية، والتجاهل المتعمد لمطالب لجان المعلمين والنقابات الحرة، كأن المقصود هو تركيع قطاع التعليم بالكامل وتدمير ما تبقى من بنية تحتية معرفية في هذا الوطن. معادلة القمع والاستخفاف: المعلم: عرق، رسالة، تضحية، ليقابله التجاهل، الفقـر، وفتات مرتبات، في المقابل سلطة الحرب: فساد، تمكين، نهب، مخصصات خيالية وبذخ مالي.
رسالة واضحة: الحقوق تُنتزع ولا تُستعطى وإلى كل مسؤول مرتشٍ، وإلى كل وزير لا يرى إلا مصالحه الضيقة: اعلموا تماماً أن زمن الاستخفاف بالمعلم قد ولى بلا رجعة. إن عودة المعلمين للإضراب الشامل هي الصفعـة التي تبين لكل متخاذل أن الشعوب الحية لا تموت، وأن من يعلم الناس معنى الحرية والكرامة لا يمكن أن يقبل بالعبودية الاقتصادية والمهانة المعيشية. لن يجدي مع هذه السلطة الحوار الناعم ولا المناشدات الدبلوماسية؛ فالحقوق المسلوبة لا تُستجدى على موائد اللصوص، بل تُنتزع انتزاعاً بالوحدة والصلابة ومواجهة الباطل بالصوت العالي والخطوات العملية على الأرض.
ليعلم الجميع أن شل الحركة التعليمية وإغلاق المدارس والامتناع عن التدريس ليس هدفاً لذاته، بل هو الوسيلة الأطهر لتقويم اعوجاج دولة وضعت رأسها في الرمال. يا معلمي السودان الأحرار: امضوا في طريقكم بلا رضوخ ولا تراجع، فخلفكم كل شريف يرفض هذا الظلم. إضرابكم هو بوصلة الخلاص، وهو البرهان الساطع على أن السودان لن ينحني طالما أن فيه معلماً يرفض الذل ويؤمن بأن الكرامة أغلى من أرغفة الخبز المذل!
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.