لم يعد البرهان بحاجة إلى من يفضح زيف شعاراته، ومن يكشف خطورة استمراره في المشهد على سلامة البلاد وأهلها، فقد تكفل موقفه من مقتل المعدّنين السودانيين بواسطة الطيران الحربي المصري بتمزيق آخر ستار كان يخفي وراءه تبعيته وعمالته. سقطت ورقة توت السيادة، وانكشف لكل من له بصيرة بأن الأرض والدم والكرامة هي بضاعة يبيعها البرهان بثمن بخس، هو تشبثه بكرسي السلطة على أنقاض خراب البلاد.
ولإدراك حجم هذا التفريط، تكفي مقارنة موقف سلطة البرهان من مقتل المعدّنين السودانيين بموقف الدولة المصرية من مقتل اثنين من مواطنيها في الخرطوم بعد يومين فقط. ففي يوم الاثنين 12 أكتوبر، قُتل السائقان المصريان محمد لطفي وأكرم محمد، وأصيب مواطن مصري، إثر إطلاق النار عليهم بالسوق المحلي جنوب الخرطوم. وبحسب التقرير المتداول، أصيب سوداني أيضاً، وقُبض على المتهم الذي تشير المعلومات إلى انتمائه للقوات المشتركة، وإلى ارتكابه الجريمة انتقاماً لأقارب فقدهم في قصف مناطق التعدين قرب الحدود المصرية السودانية. تحركت الخارجية المصرية فوراً. وجه الوزير بدر عبد العاطي سفيره بالتواصل مع السلطات التابعة للقوات المسلحة، ومتابعة المصاب، والإسراع بنقل الجثمانين. أجرى السفير اتصالات عاجلة، والتقى والي الخرطوم المعين بواسطة القوات المسلحة الذي حضر لتقديم العزاء والاطمئنان على المصاب.
ضربة موجعة للبرهان.. تحركات دولية تربك حساباته وتقوض الاعتراف الدولي بحكمه وتحبط مساعي عودة إخوان السودان إلى السلطة
قال التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود» إن تحركاته الدبلوماسية في الولايات المتحدة وكندا أضعفت مساعي قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان للحصول على اعتراف دولي بسلطته وترسيخ الحكم العسكري، متهمًا إياه بالسعي إلى تهيئة الظروف لعودة الإسلاميين إلى المشهد السياسي.
وأوضح المتحدث باسم التحالف، بكري الجاك، أن لقاءات «صمود» مع مسؤولين دوليين أسهمت في تعزيز رفض الحل العسكري للأزمة السودانية، وتوسيع الدعم لتسوية تفاوضية تقود إلى إقامة حكم مدني ديمقراطي.
واتهم الجاك البرهان وحلفاءه بتوظيف خطاب الحفاظ على الاستقرار لتبرير مساعي استعادة النفوذ السياسي للحركة الإسلامية، التي ارتبطت بالنخبة الحاكمة في السودان سابقًا، إلى جانب السعي للبقاء في السلطة.
وأضاف أن البرهان يعمل على تأمين دعم خارجي يمكّن القوات المتحالفة معه من استعادة المناطق التي فقدت السيطرة عليها، بالتوازي مع جهوده للحصول على اعتراف دولي بسلطته.
واعتبر المتحدث باسم «صمود» أن التوافق الدولي المتنامي بشأن رفض الحل العسكري ودعم التسوية التفاوضية يمثل انتكاسة سياسية كبيرة لمساعي البرهان وحلفائه، ويحد من فرص إعادة ترسيخ الحكم العسكري وعودة الإسلاميين إلى السلطة. فماذا فعل البرهان حين قُتل العشرات من السودانيين في شمال الوادي يوم السبت 10 أكتوبر، داخل الأراضي السودانية بطيران مصري؟ صمتت السلطة المعينة بواسطة القوات المسلحة، ثم انطلقت أبواقها تبرر وتشوش وتشكك في مكان الجريمة. وكأن دم السوداني يصبح مباحاً بمجرد الزعم بأنه عبر الحدود، وكأن التعدين أو التهريب يمنحان تصريحاً بقتل البشر دون هوادة. وبعد هذا التخاذل، صدر بيان مجلس سيادة البرهان ليعزي في “الحادث الأليم” ويعلن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، متجنباً تسمية الجهة المتهمة أو اتخاذ موقف واضح من كافة الأدلة التي تثبت بأن القصف قد تم داخل السودان. أسدل الستار على المأساة بتعزية ولجنة أخرى أضيفت إلى قائمة لجان التضليل التي أنشئت من قبل، وبقيت الأسئلة التي تمس الأرض والدم حائرة بلا جواب.
وقبل أن يجف حبر بيان مجلس سيادة البرهان غير الشرعي، جاء بيان الجيش المصري ليفضح هذا الموقف أكثر، ويوجه صفعة لمحاولة ذر الغبار في العيون التي قامت بها سلطة البرهان، حيث أكد أن الغارات تمت بواسطة الطيران المصري في إطار “مكافحة التنقيب غير المشروع”، ووصف المستهدفين في حملته بـ”العناصر الإجرامية”، وقال إن عملياته تهدف إلى “فرض كامل السيادة داخل حدود الدولة المصرية”. أي أن الجانب المصري لم يكتفي فقط بسفك دماء السودانيين بل أعلن رسمياً ضم هذه الأراضي السودانية الغنية بالثروات لمصر، هكذا ودون وجه حق، لتتسع رقعة الاحتلال المصري للتراب السوداني، وللمفارقة فقد تم سلب حلايب وشلاتين في زمن حكم البشير، وجاء سلفه البرهان الذي يتبع خطواته ليكمل مهمة استتباع السودان والتفريط في أرضه وسيادته.
يكشف هذا الخضوع تواطؤاً سياسياً يؤكد أن بقاء البرهان صار مهدداً وجودياً لبقاء السودان نفسه. فمن يستمد ضمانة حكمه من الخارج يصبح أسيراً لمن يسانده، ويدفع من أرض بلاده واستقلال قرارها وحقوق مواطنيها كلفة استمراره. وحين يصمت الحاكم أمام إفادات عن قصف أرضه وقتل شعبه، ثم يترك أبواقه تدافع عن الجهة المتهمة، فإنه يصبح شريكاً في طمس الحقيقة وإهدار حقوق الضحايا. ولهذا فإن المسؤولية الرئيسية في هذا التفريط تقع على عاتق البرهان وسلطته، ولن تمحو آثارها كتابات التضليل التي تصدر عن أبواقه.
لقد سقطت شعارات السيادة والكرامة التي جعلوها سلاحاً لتخوين المدنيين وتبرير استمرار الحرب. فمن كانوا يرفعونها في وجوه السودانيين هم أول من يدوسون عليها أمام حلفائهم. يبطشون بالمواطن باسم حماية الدولة، ثم يعجزون عن حمايته حين يتعرض للقتل. ويتهمون دعاة السلام بالعمالة، بينما يربطون مصير البلاد بمصالح من يضمنون بقاءهم.
ولنتذكر موقف المدنيين الذين طاردتهم هذه الأكاذيب. ففي مارس 2021، ومن داخل مؤسسة الأهرام ومركزها للدراسات بالقاهرة، قال رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك “نريد أن ننظر للعلاقة ببعدها الإستراتيجي، وأن نناقش المسكوت عنه”، وطرح ضمن الملفات المسكوت عنها قضية حلايب وشلاتين. لم تمنعه الرغبة في التعاون مع مصر من فتح قضية الأرض والحقوق العالقة. خاطب مضيفيه بمنطق المصارحة والندية، وأكد أن العلاقات المستقرة تحتاج إلى مواجهة الخلافات ومعالجتها.
ثم نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال”، في تقريرها المنشور في 4 نوفمبر 2021، أن مدير المخابرات المصرية آنذاك عباس كامل زار الخرطوم قبل الانقلاب، والتقى البرهان متجنباً لقاء حمدوك. ونقلت عن مستشار في الحكومة السودانية أن كامل قال للبرهان “حمدوك يجب أن يرحل”. كما أوردت أن البرهان زار القاهرة سراً عشية الانقلاب طلباً للدعم. هذه الرواية الصحفية تكشف حقيقة ما دار منذ ثورة ديسمبر المجيدة وحتى الآن. تفضح من عمل ضد السودان وشعبه وسيادته، ومن عمل لتجنيب بلاده كل ما مر بها من شرور. فمن العملاء بحق؟ وما هي العمالة سوى أن تبيع تراب وطنك ودماء شعبك بأي ثمن كان؟
المطلوب الآن وقف الحرب فوراً، وحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن كل الجرائم التي ارتكبت في حق السودانيين. والواجب هو طي صفحة سلطة البرهان العسكرية العميلة، وكل حكم يستند على شرعية البندقية، وبناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة تحفظ أمن السودان وأرضه وسيادته، وتخضع لسلطة مدنية تستمد مشروعيتها من الشعب. مؤسسة تحمي المواطنين، وتمنع تحويل السلاح إلى طريق للحكم، وتصون القرار الوطني من الارتهان. لقد دفع السودانيون ما يكفي من دمائهم وأرضهم ومستقبلهم. ولن يكون السودان رهينة لطموحات البرهان في كرسي السلطة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.