هل تفكك الملاحقة الأوروبية إمبراطورية الإخوان المالية في السودان وتجفف منابع الحرب؟

تقرير: عين الحقيقة

لم تعد الضغوط الدولية المفروضة على شبكات التيار الإسلامي في السودان تقتصر على ساحات المعارك العسكرية وحدها، بل بدأت تتقاطع بجدية مع ملف تجفيف منابع التمويل. وفي هذا السياق، كشفت تقارير إعلامية ودولية متطابقة (أبرزها ما نشرته وكالة «إرم نيوز») عن توجه أوروبي متصاعد نحو تشديد الرقابة الصارمة على التحويلات المالية، والشركات، والواجهات الاقتصادية المرتبطة بإخوان السودان، بهدف شل قدرتهم على الإمداد، والتجنيد، وإطالة أمد الصراع المسلح.
شبكات التمويل
تتجاوز طبيعة الحرب الدائرة في السودان المعايير العسكرية البحتة؛ إذ تعتمد الميليشيات والتشكيلات العقائدية المرتبطة بالحركة الإسلامية بشكل كلي على شبكات مالية معقدة لشراء المعدات، وتأمين الإمدادات، وتمويل معسكرات التجنيد. وفي ظل تقارير تشير إلى رصد آلاف المعسكرات التدريبية وإعلان وزارة الخارجية الأمريكية في وقت سابق عن مساهمة الحركة الإسلامية بأكثر من 20 ألف مقاتل بدعم وتدريب من الحرس الثوري الإيراني، يتضح جلياً أن المال هو العصب الحقيقي الذي يُبقي هذه التشكيلات حية في الميدان.
ويأتي التوجه الغربي والأوروبي المرتقب لمراقبة حركة الأموال كوسيلة ضغط استراتيجية لتقويض قدرة هذه الشبكات، بغض النظر عن تذبذب موازين القوى الميدانية. إلا أن هذا المسار يواجه تعقيدات بالغة؛ أبرزها تداخل تجارة الذهب وقنوات التمويل غير الرسمي مع شبكات المصالح السياسية العابرة للحدود، وهو ما يصعب مهمة تتبع حركة الأموال الفعليّة، كما أشار الخبير الشرقاوي الروداني.
تداعيات إقليمية وضغوط على بورتسودان
لا تقتصر تداعيات هذا الخناق المالي المحتمل على جماعة الإخوان وحدها، بل تمتد لتلقي بظلالها الثقيلة على السلطة في بورتسودان التي تتخندق إلى جانبها تلك التشكيلات المسلحة. إن أي استهداف مباشر أو غير مباشر لمصادر تمويل الحلفاء سيضعف بلا شك قدرتهم على مواصلة القتال، ويهز الحسابات الاستراتيجية للقوى المتحالفة معها.
علاوة على ذلك، يتجاوز الاهتمام الغربي والأوروبي حدود الشأن السوداني الداخلي ليصل إلى مخاوف أمنية إقليمية من تمدد النفوذ الإيراني عبر البوابة السودانية نحو البحر الأحمر والقرن الإفريقي، مما يجعل مراقبة شبكات المال والسلاح ضرورة أمنية قومية لدول الإقليم والغرب على حد سواء لقطع دابر أي نفوذ جيوسياسي معادي.
نقطة التحول الأهم
استطلعت «منصة عين الحقيقة» آراء نخبة من الخبراء الاستراتيجيين والاقتصاديين لتحليل أبعاد هذا التحول الدولي المرتقب: الخبير الاستراتيجي هشام محمد يؤكد لـ«عين الحقيقة» أن اتجاه الغرب نحو تتبع شبكات الأموال يمثل “نقطة التحول الأهم” في الضغط على أطراف الحرب في السودان. ويرى أن استهداف الواجهات الاقتصادية للإسلاميين سيجفف تدريجياً مصادر التجنيد والعتاد، مضيفاً: “إن تضييق الخناق المالي على الإخوان سيحدث تصدعاً في التحالفات الحالية داخل بورتسودان، لأن بقاء هذه التشكيلات مرهون بتدفق الأموال السائلة. ومع ذلك، يظل نجاح هذا التوجه مرهوناً بمدى قدرة الاستخبارات الغربية على اختراق شبكات غسيل الأموال وتجارة الذهب العابرة للحدود”.
الباحث في العلوم الاقتصادية عثمان الفاضل  يقول لـ«عين الحقيقة» : أن التحدي الأكبر أمام العقوبات أو الرقابة الأوروبية يكمن في مرونة هذه الشبكات وقدرتها على التكيف. وتقول: “لقد أثبتت شبكات التمكين التابعة للنظام البائد على مدى عقود قدرتها على الالتفاف على القيود المالية عبر تأسيس واجهات تجارية وهمية وشركات أضلاعها في دول إقليمية شتى. إذا لم تترافق الرقابة المالية الأوروبية مع تعاون أمني صارم مع دول الجوار لمراقبة قنوات الذهب والتحويلات النقدية غير الرسمية، فإن هذه الشبكات ستجد دائماً طرقاً بديلة لتغذية آلة الحرب”.
يضع التوجه الأوروبي نحو ملاحقة شبكات تمويل إخوان السودان الأزمة برمتها أمام مرحلة جديدة من الضغط الدولي الخانق. وبينما يترقب المراقبون مدى فاعلية هذه الإجراءات في كبح جماح آلة الحرب وتجفيف منابعها، يبقى الرهان الحقيقي معقوداً على مدى صرامة الآليات الرقابية في وجه شبكات المال والذهب، لمنع تحول الأموال إلى وقود دائم يستنزف ما تبقى من جسد الدولة السودانية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.