حيتان الظل في حرب السودان.. الإخوان واحتكار قطاع الوقود..

تقرير: عين الحقيقة

بينما يكتوي الشعب السوداني بأتون حرب لا ترحم وأزمات معيشية خانقة غير مسبوقة، تتكشف يوماً بعد يوم خبايا جديدة لشبكات الفساد والتمكين التي تنسج خيوطها في خلفية المشهد. وفي مقدمة هذه الملفات الساخنة يبرز قطاع استيراد الوقود والمشتقات البترولية، حيث تشير المعطيات الميدانية والرسمية إلى استمرار سيطرة شخصيات نافذة من رموز النظام البائد وعناصر الحركة الإسلامية “الإخوان” على مقاليد هذا القطاع الاستراتيجي الحساس، مستغلين شبكات المصالح الضيقة والقرارات الحكومية المتناقضة لتحويل أزمات الطوارئ إلى غنيمة مالية كبرى.
قرارات مشبوهة..
تُظهر التطورات الاقتصادية والقرارات الصادرة عن المؤسسات الرسمية (حكومة الجيش والبنك المركزي) وجود فجوة واسعة بين الشعارات المعلنة والواقع العملي: شعار المنافسة ووهم الإصلاح: تروج وزارة الطاقة والنفط لقرارات تدعي فيها فتح باب المنافسة أمام الشركات الوطنية، غير أن المذكرات والمعطيات تكشف أن هذه الإجراءات صُممت خصيصاً لتكريس هيمنة الشركات الكبرى المرتبطة بالإسلاميين وإطاحة المنافسين الصغار.
اشتراطات تعجيزية (أزمة الذهب): عقب أزمة سلاسل الإمداد في فبراير 2026 والتدخل الحكومي الشكلي في يوليو الماضي بزعم كسر الاحتكار، عمد البنك المركزي إلى فرض قيود قياسية تمثلت في اشتراط إيداع كمية معينة من الذهب للشركات الراغبة في الاستيراد. هذه القيود قوبلت بمذكرة اعتراضية رسمية رفعتها 24 شركة سودانية عاملة في مجال النفط إلى رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان.
فجوة أسعار الصرف وأرباح خيالية: أشارت مذكرة الشركات المحتجة إلى أن حصر الاستيراد في أيدٍ محدودة تسبب في اختلالات هيكلية عميقة، لتصل هوامش الأرباح غير المشروعة في الشحنة الواحدة إلى نحو 7 ملايين دولار للشحنة، مستغلين الفجوة الواسعة بين سعر الصرف الرسمي المخصص للاستيراد (نحو 5500 جنيه للدولار) وسعر السوق الموازية الذي يتجاوز 8300 جنيه للدولار.
هندسة اقتصاد الحرب
استطلعت «منصة عين الحقيقة» آراء نخبة من الخبراء الاقتصاديين والمحللين الماليين لتفكيك آليات سيطرة هذه الشبكات على قطاع الطاقة: د. خالد النور  (خبير اقتصاديات الطاقة والسياسات المالية): يؤكد لـ«عين الحقيقة» أن ما يحدث في قطاع الوقود ليس مجرد عشوائية إدارية، بل هو “هندسة ممنهجة لاقتصاد الحرب”. ويضيف: “إن ربط استيراد الوقود بشروط تعجيزية كإيداع الذهب يعكس بوضوح رغبة جهات نافذة في إقصاء الشركات المستقلة وتصفية أي منافسة حرة. إن تحقيق أرباح فلكية تصل إلى 7 ملايين دولار للشحنة الواحدة في ظل مجاعة وفقر مدقع يضرب ملايين السودانيين يمثل جريمة اقتصادية كاملة الأركان، تُستخدم عائداتها لتمويل أجندات سياسية وتثبيت أركان شبكات التمكين القديمة”.\
الأستاذة صفاء كمال  (باحثة اقتصادية): تشير لـ«عين الحقيقة» إلى أن التناقض الصارخ بين تصريحات وزارة الطاقة وممارسات البنك المركزي يؤكد وجود تواطؤ هيكلي يخدم مصالح مافيا الإخوان. وتقول: “إن حصر سلعة استراتيجية كالمشتقات البترولية في أيدي شبكات محددة يعني تحويل مقدرات الدولة إلى بقرة حلوب لتمويل المجهود الحربي الخاص بهم، بينما يتحمل المواطن البسيط وحده فاتورة الارتفاع الجنوني في تكاليف النقل والسلع الأساسية”.
تثبت المعطيات الدامغة أن أزمة الوقود في السودان تتجاوز حدود النقص في النقد الأجنبي أو تعطل سلاسل الإمداد العالمية، لتكون انعكاساً مباشراً لسطوة “مافيا الإخوان” على شرايين الاقتصاد الوطني. وإن لم تتدخل إرادة حقيقية لكسر الاحتكار، ومحاسبة المستفيدين من مآسي الحرب، وإصلاح المنظومة المصرفية والنفطية بشفافية كاملة، فإن مقدرات البلاد ستظل رهينة لأجندات الضيق والتمكين على حساب مستقبل الشعب السوداني.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.