كشفت مصادر محلية في منطقة شمال الوادي، وأخرى عسكرية رفيعة داخل الجيش السوداني، عن تفاصيل جديدة بشأن الإجراءات التي أعقبت قصف معدّنين سودانيين في المنطقة، شملت حملة أمنية للبحث عن ناجين، ومصادرة أجهزة اتصال فضائي، وتسليم عدد من الناجين إلى الجيش المصري، وفقاً لإفادات المصادر.
وقالت المصادر إن الاستخبارات العسكرية والجيش السوداني نفذا حملة شملت مناجم الذهب في شمال الوادي، بهدف البحث عن ناجين من الحادثة، بالتزامن مع إجراءات تضمنت مصادرة أجهزة الإنترنت الفضائي «ستارلينك» ومنع تشغيلها.
وبحسب المصادر، استهدفت هذه الإجراءات، وفق تقديراتها، الحد من قدرة المعدّنين على التواصل مع أسرهم والعالم الخارجي، ونقل شهاداتهم بشأن ملابسات القصف، الأمر الذي يثير تساؤلات حول طبيعة الحملة الأمنية وانعكاساتها على إمكانية توثيق ما جرى.
وفي تطور آخر، أفادت المصادر بأن عدداً من الناجين سُلّموا إلى الجيش المصري، مدعية أن الغرض من ذلك كان التأثير في إفاداتهم ودفعهم إلى تبني رواية تتوافق مع الموقف المصري بشأن الحادثة.
أسر تبحث عن أبنائها
تتواصل حالة القلق وسط أسر المعدّنين الذين انقطعت أخبارهم منذ وقوع الحادثة، فيما لجأت عائلات إلى نشر إعلانات عن مفقودين عبر منصات التواصل الاجتماعي، في محاولة للوصول إلى أبنائها ومعرفة مصيرهم.
وتعكس هذه التحركات حجم المخاوف التي تعيشها الأسر في ظل غياب معلومات واضحة عن حصيلة الضحايا والناجين، وأماكن وجود المفقودين، والجهات التي تمتلك معلومات بشأنهم.
كما تثير الإفادات الواردة من المنطقة تساؤلات بشأن طبيعة الإجراءات الأمنية التي أعقبت القصف، ومدى قدرة الناجين على التواصل مع ذويهم والإدلاء بشهاداتهم بحرية واستقلالية، بعيداً عن أي ضغوط محتملة.
مطالب بكشف مصير المفقودين
تضع المعلومات التي نقلتها المصادر قضية المعدّنين أمام أسئلة جوهرية تتطلب إجابات واضحة، في مقدمتها الكشف عن الأسماء الكاملة للضحايا والناجين والمفقودين، وتوضيح ملابسات الحملة الأمنية والجهات التي أشرفت عليها، والتحقق من ظروف تسليم الناجين والجهات التي تولت الاستماع إلى شهاداتهم.
ويتطلب الوصول إلى حقيقة ما جرى جمع إفادات مباشرة من الناجين وأسرهم، وفحص الأدلة المتاحة، ومقارنة روايات الأطراف المختلفة، إلى جانب ضمان تمكين جهات مستقلة من الوصول إلى الشهود والتحقق من ظروف احتجازهم أو انتقالهم، إن ثبت ذلك.
كما أن مصادرة أجهزة الاتصال الفضائي، إذا تأكدت ملابساتها والأهداف المرتبطة بها، تستدعي توضيحاً رسمياً بشأن أسبابها القانونية والأمنية، ومدى تأثيرها على قدرة المعدّنين على التواصل مع أسرهم وتوثيق الأحداث. فحرمان الأسر من المعلومات، أو تعذر وصول الشهود إلى جهات مستقلة، من شأنه تعقيد جهود كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات.
### البرهان وسلطة بورتسودان أمام اختبار المسؤولية
في ظل هذه التطورات، يتحمل قائد الجيش السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وسلطة الأمر الواقع في بورتسودان مسؤولية سياسية وأخلاقية تستدعي توضيح ملابسات ما جرى، والكشف عن مصير المعدّنين المفقودين، وضمان محاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن أي انتهاكات بحق المواطنين السودانيين.
فاستمرار الغموض وغياب المعلومات الرسمية يضعفان ثقة الأسر في المؤسسات التي يُفترض أن تحمي مواطنيها وتصون حقوقهم، ويثيران تساؤلات بشأن مدى جدية السلطات في التعامل مع واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً بالنسبة إلى ذوي المفقودين.
ولا يكفي أن تظل القضية رهينة إفادات متفرقة ومعلومات غير مكتملة؛ إذ تقع على عاتق الجهات السودانية المعنية مسؤولية توضيح ما اتخذته من إجراءات، ونشر المعلومات المتاحة، وفتح المجال أمام تحقيق مستقل يحدد ما حدث، بعيداً عن الحسابات السياسية والعسكرية.
### الحكومة المصرية مطالبة بإجابات واضحة
في المقابل، تواجه الحكومة المصرية تساؤلات ملحّة بشأن ما أوردته المصادر عن تسليم ناجين إلى الجيش المصري. وتتمحور هذه التساؤلات حول أماكن وجودهم، وظروف انتقالهم، ومدى تمتعهم بحرية التواصل مع أسرهم والإدلاء بإفاداتهم دون ضغوط، فضلاً عن حقيقة الادعاءات المتعلقة بمحاولة التأثير في شهاداتهم.
وتقتضي خطورة هذه الادعاءات رداً واضحاً من السلطات المصرية، يبدد الغموض بشأن مصير الناجين، ويتيح التحقق المستقل من ظروفهم وأقوالهم.
فالصمت لا يقدم إجابات للأسر، ولا يحسم تضارب الروايات، بل يترك المجال مفتوحاً أمام مزيد من الشكوك بشأن ما جرى.
وإذا ثبت تعرض أي من الناجين لضغوط أو محاولات للتأثير في شهاداتهم، فإن ذلك يستوجب التحقيق والمساءلة وفقاً للقانون. أما حسم هذه الادعاءات، فلا يكون بالتكهن أو تبادل الاتهامات، وإنما بأدلة موثوقة وتحقيق مستقل وشفاف.
### الحقيقة الغائبة ومحاسبة المسؤولين
إن أرواح المعدّنين وحقوق أسرهم ليست أوراقاً للمساومة السياسية أو العسكرية، ولا يجوز أن تصبح الحقيقة رهينة لحسابات السلطة أو اعتبارات العلاقات بين الحكومات. فالمفقودون ليسوا مجرد أرقام في حادثة عابرة، بل أشخاص تنتظر أسرهم خبراً يبدد مخاوفها ويضع حداً لمعاناتها.
وعليه، فإن المطلوب من البرهان وسلطة الأمر الواقع في بورتسودان، وكذلك السلطات المصرية، اتخاذ خطوات عملية للكشف عن مصير المفقودين، وتمكين جهات مستقلة من الوصول إلى الناجين، ونشر المعلومات الموثقة، وإجراء تحقيق شفاف يحدد المسؤوليات استناداً إلى الأدلة.
وأمام معاناة الأسر، لا يكفي الصمت، ولا تصلح الوعود بديلاً عن الحقيقة. وكل يوم يمر دون إجابات يضاعف آلام ذوي المفقودين، ويزيد الشكوك بشأن أداء الجهات المعنية. وإذا كانت السلطات السودانية والمصرية حريصة على تبديد هذه الشكوك، فإن الطريق يبدأ بكشف المعلومات، وضمان سلامة الشهود، وعدم السماح لأي جهة بالتأثير في إفاداتهم.
فالحقيقة حق لأسر الضحايا، وواجب على السلطات، وليست امتيازاً تمنحه الجهات النافذة متى شاءت. وأي محاولة لحجبها أو التأثير في الشهود، متى ثبتت، تستوجب المساءلة والمحاسبة. أما استمرار الغموض، فيبقي البرهان وسلطة بورتسودان والحكومة المصرية أمام أسئلة لا يمكن تجاوزها، وأمام مسؤولية لا تسقط بالتجاهل أو مرور الوقت.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.