أي بجاحة سياسية هذه التي تجعل رجلاً دمر بلداً بأكمله، وشرد الملايين، ومرغ كرامة شعبه في تراب النزوح واللجوء، يخرج اليوم ليتباكى على “السلام” ويبعث بالرسائل والاستجداءات إلى واشنطن والرئيس الأمريكي دونالد ترامب؟ لقد أطل علينا عبد الفتاح البرهان بإعلانه المخزي عن إرسال رسالة خطية إلى الإدارة الأمريكية الجديدة، مؤكداً فيها “التزام حكومته بجهود السلام”! فبأي منطق وبأي وجه يجرؤ هذا الجنرال على الحديث عن السلام اليوم؟ بعد أن أحرق الأخضر واليابس، وبعد أن تحولت مدن السودان إلى ركام وقبور جماعية، وبعد أن امتلأت بطون أطفالنا بالجوع وسوء التغذية، يتذكر البرهان أخيراً أن هناك شيئاً اسمه السلام؟!
ولم تأتِ هذه المسرحية الهزلية المستجدة من فراغ، بل تتزامن مع تصاعد موجة الغضب الشعبي العارمة على خلفية المذبحة البشعة والهجوم الغادر الذي استهدف معدّنين سودانيين عزل في منطقة “شمال الوادي”، حيث سقط شباننا بين قتيل وجريح في أبشع صور الإهانة لدم المواطن السوداني.
وسط هذا الدمار الدامي، وأمام صمت مريب وخزي مطبق من سلطة بورتسودان التي لم تحرك ساكناً لحماية أبنائها، يخرج علينا البرهان برسائله التوسلية للخارج، وكأن دماء السودانيين رخيصة لدرجة يمكن المقايضة بها على بقاء كرسيه المهتز! أين كانت حمية هذه السلطة حين انتهكت سيادة البلاد وسترت دماء أبنائها في كل فج؟ أم أن وظيفة هذا الجيش وقادته اختصرت فقط على حماية عروشهم وتقديم فروض الطاعة لكل من يقبل بوجودهم على حساب أشلاء السودانيين؟ تشريد الملايين ودماء المعدّنين المستباحة، وصمت مريب وعجز مخزٍ، استجداء أمريكا ورسائل ترامب، محاولة يائسة لحماية الكرسي المهتز
سلام العار.. متى تذكرتم السلام يا تجار الحروب؟ إن التشدق بالسلام اليوم بعد أكثر من ثلاثة أعوام من حرب العبث والدمار هو نفاق سياسي مقيت لا يخدع أحداً. فمن ذا الذي أشعل فتيل هذه الحرب بالتواطؤ مع الفلول والكتائب؟ ومن ذا الذي رفض كل منبر تفاوضي جاد وأجهض كل فرصة للحل السلمي طيلة السنوات الماضية، طمعاً في حسم عسكري وهمي؟
ومن ذا الذي ترك الشعب السوداني فريسة للمجاعة والمرض والنزوح بينما ينعم أزلامه ورجال نظامه البائد بخيرات البلاد؟ إن البرهان لم يسعَ للسلام إلا حين شعرت منظومته بالخناق يقترب من أعناقها، وحين بدأت رياح العزلة الدولية وملاحقة شبكات التمويل تضرب عروشهم الوهمية. إنها ليست رسالة سلام، بل هي رسالة استجداء خונية بحثاً عن طوق نجاة شخصي، على أشلاء شعب ملّ الوعود الكاذبة.
ليعلم البرهان ومن معه أن الشعب السوداني لم يعد يخدع بهذه الألاعيب المفضوحة. إن السلام الحقيقي لا يُطلب عبر رسائل استعطاف واشنطن بينما تُستباح دماء السودانيين في الداخل والخارج، ولا يُصنع على أيدي من أدمنوا السلطة فوق دماء الضحايا. بعد أن خربتم مالطا، وشردتم شعباً بأكمله، وجوعتم أطفال السودان.. لا مكان لحديثكم عن السلام! ارحلوا، فأنتم أصل الداء ولن تكونوا أبداً عنواناً للدواء!
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.