حين تتأمل المشهد السوداني اليوم، وأنت تتقلب بين أرقام الموت والجوع والمرض، تشعر وكأنك تقف أمام لوحة سريالية مرسومة بدقة سوداء لتجسد أبشع كوارث العصر الحديث. لم يعد السؤال في السودان اليوم يدور حول “كيف بدأت الحرب؟” أو “من أطلق الرصاصة الأولى؟”، بل تحول إلى سؤال مصيري ومرعب: إلى أين يقود تنظيم الإخوان المسلمين السودان؟ وما حجم الخراب الذي يستعدون لإلحاقه بما تبقى من هذا الوطن لكي تبقى أسمائهم مرسومة على أنقاض العروش؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتطلب مناقشات نظرية معقدة، بل تكفي نظرة واحدة إلى واقع الشارع السوداني الذي تحول بفعل3 سنوات من العبث الأيديولوجي إلى مسلخ بشري عنوانه الأبرز: فقر مدفع، جوع متوحش، مرض مستشري، وموت بالمجان.
لم يكن الفقر في السودان اليوم مجرد نتيجة طبيعية لتداعيات الحرب فحسب، بل هو سلاح سياسي ممنهج دبرته وأدارته مافيا التمكين والشبكات التجارية التابعة للحركة الإسلامية. لقد حولت هذه الزمرة مقدرات البلاد الاقتصادية، وشرايين استيراد الوقود، ومصادر الذهب والسلع الاستراتيجية إلى غنائم مالية خاصة لتمويل مجهودهم الحربي وإطالة أمد بقائهم. بينما ترتفع هوامش أرباح شحناتهم لتصل إلى ملايين الدولارات في الشحنة الواحدة، يغرق المواطن السوداني في قاع سحيق من البطالة والعوز، حيث تآكلت العملة الوطنية تماماً وفقدت الأسر البسيطة حتى القدرة على توفير رغيف الخبز اليومي. لقد جردوا الإنسان السوداني من أسطح منازله ومن لقمة عيشتي ليجلسوا هم على تل من ذهب الدمار.
حين تعلن المنظمات الدولية أن أكثر من 825 ألف طفل دون سن الخامسة مهددون بسوء التغذية الحاد الوخيم، وأن نسب الإصابة في دارفور وكردفان تجاوزت عتبة الـ 50% (متخطية أضعاف حدود الطوارئ العالمية)، فإننا لسنا أمام أزمة غذائية عابرة، بل أمام جريمة إبادة جماعية صامتة. هؤلاء الأطفال الذين يُقتلون ببطء على أيدي الجوع والمرض لا يعلمون شيئاً عن شعارات “التمكين” ولا عن أحلام الجماعة في العودة إلى السلطة. إنهم يدفعون ثمن أطماع تنظيم فضل أن يحرق الأخضر واليابس، ويمنع وصول المساعدات الإنسانية، ويضع العراقيل تلو العراقيل أمام أي هدنة، فقط لكي يضمن ألا يحاسبه أحد على خراب السودان.
لم يكتفِ مهندسو الحرب بالجوع، بل تكاتف معهم المرض ليجهز على ما تبقي. مع خروج أكثر من 37% من المرافق الصحية عن الخدمة نتيجة التدمير الممنهج وغياب الموارد، تحولت المدن ومخيمات النزوح إلى بؤر وبائية تفتك بالصغار والكبار على حد سواء (من ماليرا وإسهالات وحصبة وغيرها). الأسر النازحة تعيش في اكتظاظ مهين، بلا مياه صالحة للشرب، وبلا دواء، وبلا أبسط مقومات الرعاية الإنسانية. في المقابل، تواصل أبواق التنظيم الإعلامية والكتائب الإلكترونية ضخ سموم التخوين، رافضة أي صوت يعلو للمطالبة بالسلام أو فتح الممرات الآمنة للمرضى والجوعى.
إن القراءة المتأنية لمسار الإخوان المسلمين في السودان عبر التاريخ، وصولاً إلى عبثهم الحالي، تؤكد حقيقة واحدة لا تقبل الشك: أنهم لا يهتمون بوجود دولة اسمها السودان متى ما تعارضت مع وجود تنظيمهم. إنهم يقودون البلاد حثيثاً نحو: الانهيار الشامل والتفكك العرقي: عبر تغذية النعرات وتوسيع رقعة المجموعات المسلحة الموازية لإبقاء حالة الفوضى مستمرة. التحول إلى دولة فاشلة ومعزولة إقليمياً ودولياً: تُستغل أراضيها كساحة لصراعات النفوذ الإقليمي (كالتوغل الإيراني وشبكات السلاح والذهب غير المشروعة)، بينما يُترك شعبها لمصيره المظلم. مقبرة جماعية كبرى لرأس المال البشري: جيل كامل يُحرم من التعليم، والغذاء، والصحة، والعلاج، ليخرج إلى الحياة بمعطيات الإعاقة والتشظي.
لقد بلغ السيل الزبا، ولم يعد هناك متسع للصمت أو الحياد أمام هذا الانحدار الكارثي الذي يقوده تنظيم أدمن دماء الأبرياء. إن الخروج من نفق الفقر والجوع والمرض والموت يبدأ حصراً بـ اقتلاع جذور هذه المنظومة الفاسدة، ووقف آلة حربهم العبثية، ومحاسبة كل من تسبب في تحويل سلة غذاء إفريقيا إلى مقبرة جماعية لأطفالها. إن السودان للسودانيين، ولن ينهض من رماد هذا الدمار الشامل إلا بإرادة شعبية حرة تقطع دابر المتاجرين بأوجاعه للأبد.
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.