ثروات السودان في مهبّ التنازلات.. من يحمي حق السودانيين؟

 تقرير: عين الحقيقة

 في بلدٍ أنهكته الحرب، وتبددت ثرواته بين الفوضى وسوء الإدارة، لم يعد مقبولاً أن تظل الأراضي والموارد الطبيعية ملفات غامضة تُدار بعيداً عن رقابة الشعب ومصالحه. فالسودان الذي يدفع مواطنوه أثمان الحرب من أرواحهم وأرزاقهم، يحتاج اليوم إلى موقف وطني واضح يعيد الاعتبار لحق السودانيين في ثروات بلادهم، ويضع حداً لأي تدخل خارجي يمس سيادتهم أو ينتقص من مصالحهم.

وتعيد الغارات الجوية المصرية التي استهدفت مواقع لتعدين الذهب داخل الأراضي السودانية، على بُعد نحو 60 كيلومتراً من الحدود، في أكتوبر الجاري، طرح سؤال جوهري: من يحمي المواطن السوداني حين يصبح نشاطه الاقتصادي، حتى في أرض بلاده، عرضة للمخاطر؟ ومن يضمن ألا تتحول علاقات السودان الإقليمية إلى مدخل لفرض الأمر الواقع أو تمرير ترتيبات لا يعرف الشعب تفاصيلها؟

إن القضية أكبر من حادثة عسكرية، وأوسع من خلاف عابر بين مصر والسودان؛ إنها تتعلق بحق السودانيين في تقرير كيفية استغلال مواردهم، وبمسؤولية السلطة عن حماية مواطنيها، وبضرورة إخضاع كل اتفاق يمس الأراضي والثروات الوطنية لمعيار المصلحة العامة، لا لحسابات النفوذ والتحالفات.

دماء المعدّنين.. السيادة تبدأ بحماية المواطن

أعادت الضربات التي استهدفت مواقع التعدين داخل الأراضي السودانية ملف حماية أبناء الشعب السوداني إلى الواجهة، وسط تقارير متباينة بشأن أعداد القتلى والمصابين، واتهامات سودانية للقوات المصرية بالمسؤولية عن الهجوم.

وبينما أعلن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة في سلطة الأمر الواقع ببورتسودان، تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، لا تزال الحاجة قائمة إلى نتائج واضحة ومعلنة للرأي العام.

فلا يمكن أن تكون حياة المعدّنين السودانيين أقل قيمة من أي اعتبار سياسي أو دعم عسكري أو دبلوماسي، ولا يجوز أن تمر حادثة بهذا الحجم دون تحقيق شفاف يحدد ما جرى، والجهة المسؤولة عنه، والظروف التي أحاطت به.

وبالنظر إلى استهداف مواقع التعدين التي تضم مواطنين سودانيين داخل أراضي بلادهم، فإن واجب الحكومة يقتضي اتخاذ الإجراءات القانونية والدبلوماسية اللازمة في مواجهة الحكومة المصرية، والمطالبة بالتعويضات، وضمان عدم تكرار الاعتداءات.

أما أسر ضحايا التعدين والمصابون، فلا ينبغي أن يواجهوا مصيرهم وحدهم. فمن حقهم الحصول على العلاج والتعويض العادل، ومن حق الرأي العام معرفة ما إذا كانت الحكومة قد تحركت لحماية حقوقهم.

أرض السودان ليست صفقة مفتوحة بين البرهان والإسلاميين والسيسي تتمثل إحدى أخطر مشكلات إدارة الموارد في غياب المعلومات الكافية عن بعض الاتفاقيات الاستثمارية المخفية عن أعين السودانيين، خصوصاً تلك المتعلقة بالأراضي الزراعية والمشروعات العابرة للحدود.

ومن بين التقارير والمعلومات التي تحتاج إلى تحقيق موثق لوضع السودانيين في الصورة بشأن مقايضة مواردهم، الحديث عن منح استثمارات مصرية عشرة ملايين فدان في الولاية الشمالية والقضارف بعقود تصل إلى 99 عاماً، مع الإشارة إلى دور محتمل لشركة زادنا.

فالأراضي الزراعية ليست مجرد أصول اقتصادية مملوكة للبرهان والحركة الإسلامية يمكن التصرف فيها بمعزل عن المجتمع؛ إنها مورد استراتيجي يرتبط بالأمن الغذائي، وحقوق الأجيال المقبلة، ومستقبل المجتمعات المحلية.

ومن ثم، فإن أي استثمار أجنبي ينبغي أن يخضع لشروط واضحة تضمن عائداً عادلاً للسودان، وتوفر فرص العمل للسودانيين، وتحمي حقوق أصحاب الأراضي، وتمنع الاحتكار أو الاستغلال طويل الأجل الذي قد يقيد قدرة الدولة على إدارة مواردها مستقبلاً.

ولا يتعلق الأمر برفض الاستثمار المصري أو غيره لمجرد جنسية المستثمر، بل برفض أي صيغة تمنح امتيازات غير متوازنة أو تحرم السودانيين من نصيبهم العادل في خيرات بلادهم. فالشراكة الاقتصادية الحقيقية تقوم على المصالح المتبادلة، والشفافية، واحترام السيادة.

حلايب وشلاتين.. الحقوق لا تحميها المجاملات

يبقى النزاع حول حلايب وشلاتين أحد الملفات التي تتطلب موقفاً سودانياً واضحاً ومستنداً إلى القانون والوثائق. فاستمرار الخلاف الحدودي مع مصر يفرض على سلطة بورتسودان شرح موقفها، وتوضيح ما تقوم به لحماية المطالب السودانية، بعيداً عن الغموض الذي يفتح الباب أمام الشكوك والتأويلات.

وبحسب التقارير، هناك وثائق بشأن المنطقة، لكنها لم تُطرح رسمياً من قبل البرهان أمام مؤسسات سلطة بورتسودان. إلا أن ذلك لا يعفي السلطات من واجب تقديم المعلومات أو إجراء تحقيق شفاف بشأن سياساتها الحدودية، وتأكيد أن الحقوق الوطنية لا تُدار بالتفاهمات غير المعلنة.

إن العلاقات مع دول الجوار السوداني لا تعني التنازل عن الحقوق، كما أن حماية السيادة لا تعني الدخول في صراعات مفتوحة؛ بل تعني امتلاك موقف قانوني واضح، ومؤسسات قادرة على الدفاع عنه، وإرادة سياسية تضع مصالح المواطنين فوق الاعتبارات الآنية.

البحر الأحمر.. الثروة حق للأجيال المقبلة

وفي البحر الأحمر، تبرز أهمية حماية حقوق السودان في موارده البحرية والجرف القاري، في ظل الملفات المشتركة مع السعودية والتداخلات الإقليمية المرتبطة بترسيم الحدود واستغلال الموارد.

وقد سبق للبلدين توقيع اتفاق عام 1974 بشأن استغلال الموارد الطبيعية في قاع البحر الأحمر وباطن أرضه في المنطقة المشتركة. لكن، في المقابل، هناك تقارير ومصادر مطلعة تفيد بوجود تنازلات كبيرة من قبل قائد الجيش السوداني، الفريق عبد الفتاح البرهان، للمملكة العربية السعودية بشأن هذا الملف البحري المهم.

وبالتالي، فإن المبدأ الذي ينبغي أن يحكم هذه الملفات واضح: لا يجوز إبرام اتفاقات تمس الحقوق البحرية للسودان من دون تقييم قانوني وفني دقيق، وضمانات تحمي المصالح الوطنية، وشفافية تتيح للجهات المختصة والرأي العام معرفة ما يجري. فالثروات البحرية ليست ملكاً لسلطة بورتسودان ولا لقائد الجيش السوداني، ولا ينبغي أن تتحول إلى أوراق تفاوضية تُحسم بعيداً عن الرقابة والمساءلة.

أين تقف القيادات السودانية؟

أمام هذه الملفات، يصبح من حق السودانيين مساءلة القيادات العسكرية والسياسية، وفي مقدمتها عبد الفتاح البرهان وشمس الدين كباشي ومني أركو مناوي وجبريل إبراهيم، بشأن مواقفهم من حماية المواطنين والموارد الوطنية.

فالمطلوب ليس بيانات عامة عن السيادة، بل إجابات محددة: ما الذي اتُّخذ لحماية المعدّنين؟ متى ستُعلن نتائج التحقيق؟ هل ستُكشف الاتفاقيات المتعلقة بالأراضي والموارد؟ وما الضمانات التي تمنع إهدار حقوق السودان في أي تفاوض إقليمي؟

إن المسؤولية الوطنية لا تُقاس بالقرب من مراكز السلطة، وإنما بالقدرة على الدفاع عن حقوق المواطنين، وممارسة الرقابة على القرارات التي تمس مستقبلهم، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في انتهاك القانون.

خيرات السودان أولاً

إن المرحلة الراهنة تتطلب موقفاً شعبياً واعياً يدافع عن حق السودانيين في ثرواتهم، ويطالب بالشفافية في الاتفاقيات، ويرفض استغلال ضعف الدولة أو ظروف الحرب لفرض ترتيبات تنتقص من مصالحها.

ويبدأ ذلك بالمطالبة بإعلان نتائج التحقيق في استهداف المعدّنين، وتعويض أسر القتلى والمصابين، وضمان العلاج للجرحى، وحماية النشاط التعديني المشروع. كما يتطلب نشر العقود الاستثمارية الكبرى، ومراجعة شروطها، وإخضاعها لرقابة قانونية واقتصادية مستقلة.

أما التعاملات التجارية والاستثمارية مع مصر وغيرها، فينبغي أن تقوم على مبدأ المصالح المتبادلة، وأن تخضع للقانون والشفافية، لا أن تتحول إلى مساحات مفتوحة للامتيازات غير المتوازنة. ويمكن للسودانيين المطالبة بمراجعة أي اتفاق يثبت إضراره بمصالح البلاد، من خلال الوسائل القانونية والمؤسسية المشروعة.

فالسودان ليس أرضاً بلا أصحاب، ولا ثروة سائبة تنتظر أن تستحوذ عليها الحكومات المصرية على مر التاريخ، ولا دولة يجوز اختزال مصالحها في حسابات الحكام. إنه وطن لمواطنين دفعوا أثماناً باهظة من أجل البقاء، ومن حقهم أن يروا موارد بلادهم تتحول إلى غذاء وعمل وخدمات وأمن، لا إلى مصدر جديد للنزاعات والتبعية.

خيرات السودان للسودانيين أولاً، والاستثمار مرحب به حين يحترم حقوقهم، والتعاون الإقليمي مطلوب حين يقوم على الندية والمصالح المتبادلة. أما السيادة، فلا تُصان بالشعارات، بل بالشفافية والمحاسبة والقدرة على حماية الإنسان والأرض والثروة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.