لسنا ضعفاء… نحن موارد في بلاد الغير

يوسف عز الدين

 

لم يفهم العالم معاناتنا بعد.

نحن شعب آثر على نفسه، ثقافةً للإيثار.

هذه عقيدتنا التي نمشي بها: عندما تجوع، تُطعم جارك. وعندما يضيق بيتك، تفتحه لأخيك. وعندما تنزف مدينتك، تحمل جرحها وتمشي.

لهذا صمدنا أربعة أعوام من الحرب… أربعة أعوام من المستحيل.

مع الدولة، لنا مواجع، ومع أنفسنا مواجع.

مع الدولة، أننا كلما مددنا يدنا إليها قطعتها. دفعنا لها الضرائب، فسرقتها. دفعنا لها أبناءنا للجيش، فقتلتهم. دفعنا لها أصواتنا في الثورة، فباعتها. الدولة في السودان ليست أمًّا، بل ضرّة قاسية؛ تأخذ ولا تعطي، وتطلب أن نصفق لها ونحن ننزف.

ومرارتنا مع أنفسنا أننا نحب هذه الأرض حبًّا يوجع. نحبها ونحن نعلم أنها لا تحبنا. نبني فيها بيتًا، فيهدم بقذيفة. نزرع فيها قمحًا، فيحترق. نعلّم فيها ولدًا، فيُقتل أو يُهجّر. نحن نجلد أنفسنا كل يوم بهذا الحب العنيد.

ومع ذلك… ثبات في زمن المتغيرات.

كل شيء تغيّر حولنا. الحكومات تغيّرت، والتحالفات تغيّرت، والعملة تغيّرت، حتى نهر النيل تغيّر لونه من الدم.

إلا السوداني، بقي ثابتًا.

ثابتًا على كرمه وهو لا يملك جنيهًا. ثابتًا على ضحكته وهو تحت القصف. ثابتًا على كلمة «الحمد لله» وهي تخرج من قلب محروق.

هذا الثبات ليس عنادًا، بل إيمان… إيمان بأن الأزمة مستفحلة، نعم، لكن إرادة الشعب لا تستفحل عليها أزمة.

الشعب ينتصر بإرادته، حتى من تحت الضنك.

أربع سنوات ولم نحتج إلى غيرنا. هذه هي الجملة التي يجب أن تُكتب بماء الذهب.

عندما خرجنا، لم نخرج متسولين على أبواب المنظمات.

خرجنا مستأجرين بفلوسنا، ساكنين بعرقنا، متمتعين بكرامتنا. لم نكن يومًا عالة على أحد.

نحن لم نكن نازحين… كنا موارد.

الدول التي استقبلتنا لم تستقبل لاجئين فحسب، بل استقبلت سندًا اقتصاديًّا. نحن الذين رفعنا أسعار الإيجارات لأننا ندفع. نحن الذين شغّلنا الأسواق لأننا نشتري. نحن الذين عمّرنا الشقق لأننا نسكن.

نحن لسنا عبئًا… نحن من يُعتمد عليه.

وهنا تكمن حنيّتنا ووجعنا في الوقت نفسه. نحن شعب حنون حتى على من يظلمنا. نحن نبتسم لصاحب البيت الذي يضاعف علينا الإيجار، ونقول له: «معليش». نحن نسامح سائق التوك توك الذي يشتمنا في الشارع، ونقول: «معليش». نحن ندفع للضابط الذي يوقفنا بلا سبب، ونقول: «معليش».

كلمة «معليش» هذه… هي كل ثقافتنا. هي إيثارنا، وهي صبرنا، وهي حنيّتنا التي قتلتنا.

أربع سنوات من الضنك… لم نكسر زجاجًا، ولم نحرق قسمًا، ولم نقطع طريقًا في بلاد الناس. جلسنا في بيوتنا المستأجرة بفلوسنا، نبكي وطننا بصمت، ونربّي أولادنا على أمل الرجوع.

هذا ليس ضعفًا… هذا هو قمة القوة.

أن تكون قادرًا على الفوضى ولا تفعلها… أن تكون قادرًا على الشكوى ولا تشتكي… أن تكون مجروحًا وتطبطب على جرح غيرك… هذه هي السودانية.

نحن شعب آثر على نفسه، ثقافةً للإيثار، فآثرنا العالم على أنفسنا، حتى ونحن في أمسّ الحاجة إلى أن نؤثر أنفسنا.

لكن إلى متى؟

إلى متى ندفع ثمن حنيّتنا؟

إلى متى نكون سندًا للجميع، ولا أحد سندًا لنا؟

إلى متى ننتصر بإرادتنا وحدنا، بينما دولتنا تصفّق لقاتلنا؟

نحن لا نطلب شفقة، ولا نريد خيمة ولا كرت إعاشة.

نحن نريد فقط أن يفهم العالم أننا لسنا نازحين… نحن أصحاب حق. دفعنا ثمن بقائنا من دمنا ومالنا وكرامتنا، وما زلنا ثابتين، وما زلنا حنونين، وما زلنا نؤمن بأننا سنرجع. وسنرجع… ليس لأن الدولة ستنصلح، بل لأن الشعب الذي صبر أربع سنوات تحت الضنك قادر على أن يبني وطنًا من الصفر… بإرادته وحده.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.