ليست المعركة حول ثروات السودان أرقاماً أو عقوداً فقط إنها معركة حول معنى الدولة: هل يملك السودان موارده ويقرر مصيرها أم تتصرف فيها جهات نافذة بعيداً عن أصحاب الحق؟
“خيرنا لينا” ليس شعاراً ضد الاستثمار أو التعاون إنه سؤال عن الجهة التي تملك حق التصرف في الأرض والمعادن والموانئ والحدود وعن القوانين التي تحكم ذلك ومدة الاتفاقيات وضمانات مراجعتها ومحاسبة المسؤولين عنها.
الحرب لا تمنح أحداً شيكاً على بياض. ضعف المؤسسات وغياب الرقابة قد يسمحان بتمرير قرارات طويلة الأجل يصعب تعديلها بعد استقرار البلاد. لذلك يجب نشر الوثائق الرسمية وتوضيح الأراضي والعقود والمدد والالتزامات والعوائد وإخضاعها لمراجعة قانونية واقتصادية مستقلة.
الشفافية حق للمواطن وإذا كانت الاتفاقيات تحقق مصلحة السودان فلن تخشى النشر والمراجعة. أما الامتيازات المجحفة أو الشروط التي تنتقص من السيادة فإن إخفاءها يزيد الشكوك.
الأرض ليست عقاراً للبيع إنها ذاكرة المجتمعات ومصدر رزق المزارعين وحق الأجيال القادمة. لذلك يجب معرفة نصيب السودان وحقوق المجتمعات المحلية وحماية البيئة وشروط إنهاء العقود والجهات الضامنة لتنفيذها.
وفي التعدين تستوجب الضربات الجوية التي استهدفت مواقع في منطقة شمال الوادي تحقيقاً مستقلاً يحدد المسؤوليات ويضمن علاج المصابين وتعويض المتضررين ومحاسبة المدانين. لا يجوز استبدال التحقيق بالشائعات أو العدالة بالاتهامات الجاهزة.
وتشمل السيادة الملفات الحدودية والحقوق البحرية، ومنها حلايب وشلاتين وترسيم الحدود والجرف القاري. ومن حق السودانيين معرفة موقف دولتهم ووثائقها وخطواتها القانونية والدبلوماسية.
الدفاع عن حقوق السودان لا يعني العداء لمصر أو غيرها. التعاون ممكن مع حماية المصالح الوطنية، فالصداقة لا تلغي الحقوق والاستثمار لا يمنح أي طرف حق التعامل مع السودان كأنه بلا شعب أو قانون.
المشكلة في نمط إدارة للموارد بعيداً عن الرقابة جعل السودانيين يسمعون عن ثرواتهم أكثر مما يرون عائداتها. لذلك يجب تحويل “خيرنا لينا” إلى مشروع وطني يجمع الوثائق ويفحص العقود ويستعين بالخبراء ويقدم المعلومات للرأي العام ويتابع المسؤولين والجهات الرقابية.
المسؤولية مشتركة: على السلطة أن تكشف والمؤسسات أن تحقق والقضاء أن يحمي المال العام والقوى السياسية أن تتوقف عن المزايدات والإعلام أن يميز بين الخبر والدعاية والمواطنون أن يرفضوا الصمت.
نحتاج إلى سلام ينهي الحرب ودولة لا تستغلها لتمرير قرارات لا تمر في الظروف الطبيعية. السيادة قدرة على حماية الأرض والثروة والقرار ولا تستقيم الدولة إذا بقيت مواردها خارج الرقابة.
علينا المشاركة في حملة “خيرنا لينا” لأن ثروات السودان ملك عام وحمايتها تكون بالقانون والوثيقة والشفافية والمحاسبة.
لسنا ضد الاستثمار أو التعاون نحن ضد الغموض واستغلال ضعف الدولة. ولسنا ضد دول الجوار، نحن مع علاقات متوازنة تحفظ كرامة السودان ومصالحه.
خيرنا لينا، لأن من يملك الأرض يملك حق السؤال، ومن يملك الثروة يملك حق معرفة مصيرها، ومن يدفع ثمن القرارات يجب ألا يُستبعد من صناعتها.
هذه دعوة لاستعادة حق أصيل: أن يكون السودان صاحب القرار في موارده وأن يعرف السودانيون ما يُوقَّع باسمهم وأن تُحمى حقوقهم حتى لا يرث أبناؤهم نتائج قرارات اتُّخذت في الظلام.
Prev Post
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.