في ظل هذا المشهد، يصبح تنظيم الحراك المدني السلمي ضرورة سياسية وأخلاقية، لا مجرد خيار مؤجل إلى حين توقف الحرب أو اكتمال التسويات بين القوى المسلحة. فغياب الفعل المدني المنظم يترك المجال مفتوحاً أمام أطراف الحرب لتحديد مستقبل البلاد وفقاً لموازين القوة، ويضعف صوت ملايين السودانيين الذين يريدون وقف القتال واستعادة الحكم المدني وإنهاء عسكرة الحياة العامة.
لكن الحراك المطلوب لا ينبغي أن يكون اندفاعاً عاطفياً عابراً، ولا دعوة إلى مواجهات غير محسوبة، بل عملاً مدنياً واسعاً ومنظماً، يستند إلى مطالب واضحة وأهداف مشتركة وأدوات سلمية قادرة على توحيد قطاعات المجتمع المختلفة.
ويبدأ ذلك ببناء جبهة مدنية ديمقراطية تضم لجان المقاومة، والنقابات المهنية، والأجسام المطلبية، والنساء والشباب، والنازحين واللاجئين، والقوى السياسية المؤمنة بالديمقراطية، ومنظمات المجتمع المدني، على أساس برنامج حد أدنى يضع وقف الحرب وحماية المدنيين في مقدمة الأولويات.
كما يتطلب الأمر تطوير خطاب سياسي يتجاوز الانقسامات الحزبية والجهوية، ويخاطب هموم المواطنين المباشرة: الخبز، والدواء، والتعليم، والكهرباء، والأمن، وعودة النازحين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. ومن الضروري أن يعتمد هذا الحراك وسائل سلمية واضحة، تشمل التنظيم المجتمعي، والحملات الإعلامية، والتعبئة المطلبية، والإضرابات السلمية حيثما توافرت شروطها، وتوسيع التضامن بين المجتمعات المتضررة من الحرب، مع حماية المدنيين ورفض استهداف الأفراد على أساس انتماءاتهم السياسية أو الجغرافية.
إن الهدف ليس استبدال سلطة عسكرية بأخرى، ولا نقل البلاد من دائرة استبداد إلى دائرة انتقام، بل إنهاء احتكار السلاح للقرار السياسي، وفتح الطريق أمام سلطة مدنية ديمقراطية تستمد شرعيتها من الشعب، وتخضع للمساءلة، وتعمل على بناء مؤسسات دولة مهنية لا تخضع لهيمنة حزب أو جماعة أو قيادة عسكرية.
إن أي مشروع لإنهاء الحرب سيظل ناقصاً إذا تجاهل جذور الأزمة التي راكمتها عقود من الاستبداد، وتسييس مؤسسات الدولة، وتغوّل المصالح الحزبية على المصلحة العامة، وإضعاف القوى المدنية. كما أن السلام لا يمكن أن يقوم على منح الحصانة المطلقة لأي طرف، أو تجاهل حقوق الضحايا، أو إعادة تدوير القوى التي أسهمت في تقويض الانتقال الديمقراطي. المطلوب عملية سياسية مدنية شاملة، تضمن مشاركة السودانيين، وتحترم التعدد، وتضع العدالة الانتقالية وإصلاح المؤسسات وبناء جيش مهني موحد تحت سلطة مدنية في صدارة مهامها.
ولا يعني ذلك إغلاق أبواب الحوار، بل العكس: المطلوب حوار جاد يضع إنهاء الحرب وحماية المدنيين والانتقال الديمقراطي فوق حسابات السلطة والنفوذ. فالسودان أكبر من البرهان، وأكبر من الدعم السريع، وأكبر من جميع القوى التي تتعامل مع الدولة باعتبارها غنيمة أو ساحة لتصفية الحسابات. إن اشتداد الضغوط على حكومة بورتسودان، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والإنسانية، واستمرار الحرب، كلها عوامل تجعل الرهان على الحل العسكري وحده رهاناً بالغ الخطورة على مستقبل السودان.
لكن هذه الظروف لا تعني تلقائياً أن السلطة ستسقط، ولا أن التغيير سيحدث من تلقاء نفسه. فالتغيير السياسي يحتاج إلى تنظيم مدني واسع، ورؤية واضحة، وتحالفات اجتماعية ديمقراطية، وبرنامج واقعي يربط بين وقف الحرب واستعادة الدولة وتحقيق العدالة.
ومن هنا، فإن المسؤولية تقع على عاتق القوى المدنية في الانتقال من حالة التشتت إلى العمل المشترك، ومن الاكتفاء بإدانة الحرب إلى بناء بديل سياسي قادر على مخاطبة السودانيين وتوحيد مطالبهم. إن إسقاط سلطة البرهان بالوسائل المدنية السلمية ليس غاية منفصلة عن مستقبل البلاد، بل يجب أن يكون جزءاً من مشروع أوسع لإنهاء الحكم العسكري، ووقف الحرب، واستعادة مسار الثورة، وبناء دولة القانون والمواطنة المتساوية.
فالسودان لن يخرج من أزمته بتبديل الوجوه داخل السلطة، ولا بانتصار طرف عسكري على آخر، وإنما بإنهاء الحرب، واستعادة القرار للشعب، وبناء حكم مدني ديمقراطي يضع حياة السودانيين وكرامتهم فوق مصالح المتحاربين. وتلك هي المعركة التي تستحق أن تتوحد من أجلها القوى المدنية: معركة السلام، والحرية، والعدالة، واستعادة الوطن من قبضة الحرب.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.