البرهان ورسالة السلام لترامب.. مناورة سياسية تحت ضغط العقوبات والأزمة الداخلية؟
أواب عزام البوشي
في تقديري، لا يمكن فهم رسالة البرهان الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب بمعزل عن الضغوط السياسية والدبلوماسية والاقتصادية المتزايدة على قيادة بورتسودان.
البرهان خلال الفترة الماضية واجه ضغوطاً أميركية متصاعدة، من بينها العقوبات المرتبطة بملف استخدام الأسلحة الكيميائية، إلى جانب تعقيدات علاقته بواشنطن، والضغوط المتعلقة بوقف الحرب والقبول بالهدنة الإنسانية. وده كله بيجي في وقت السودان فيه أزمة اقتصادية خانقة، وتحديات سياسية وعسكرية متزايدة.
في ظل هذه الظروف ، من الطبيعي أن تحاول قيادة بورتسودان تخفيف الضغوط الخارجية وإعادة فتح قنوات التواصل مع الإدارة الأميركية، خصوصاً مع وجود مخاوف من أن تؤدي العزلة السياسية والاقتصادية إلى زيادة تعقيد الأزمة.
لكن التطور الأهم هو أن مشروع قانون الشراكة الاقتصادية والاستثمارية بين الولايات المتحدة والسودان، الذي طُرح أمام مجلس النواب الأميركي يوم 13 أكتوبر، ربط التعاون في مجالات الزراعة والتعدين بتحقيق تقدم ملموس في حماية المدنيين والاستقرار السياسي والإدارة المسؤولة للموارد.
وبعد يومين فقط، خرج البرهان برسالة إلى الرئيس الأميركي أكد فيها التزامه بجهود السلام واستعداد حكومته للعمل مع الأطراف المختلفة للوصول إلى سلام عادل ودائم.
وفي المقابل، تأتي التقارير المتداولة عن حشود عسكرية ضخمة لقوات الدعم السريع في محاور كردفان لتضيف بُعداً مهماً إلى قراءة المشهد. فالتزامن بين هذه التحركات العسكرية ورسالة البرهان إلى الرئيس الأميركي ومن المحتمل أن يكون البرهان يسعى، من خلال رسالته إلى واشنطن، إلى دفع الإدارة الأميركية لممارسة ضغوط على قوات الدعم السريع لمنعها من التقدم نحو مناطق جديدة أو فتح جبهات عسكرية إضافية خلال الفترة المقبلة. وقد يكون الهدف من ذلك احتواء التصعيد العسكري وكسب الوقت لإعادة ترتيب الحسابات الميدانية والسياسية لقيادة بورتسودان.
أنا بقرأ التوقيت ده باعتباره مؤشراً سياسياً مهماً. فهل نحن أمام تحول حقيقي في موقف البرهان، أم أمام محاولة لاحتواء الضغوط الأميركية وكسب مزيد من الوقت؟
لكن من الملاحظ ان خطاب البرهان الخارجي، الذي يتحدث فيه عن السلام، لا يتطابق مع خطابه الداخلي الذي ظل يركز على الحسم العسكري ومواصلة المعركة. وده التناقض الذي ينبغي الوقوف عنده، لأن السلام ما مجرد رسالة دبلوماسية، وإنما قرارات عملية واستعداد لتقديم تنازلات سياسية حقيقية.
كمان لا يمكن فصل المسألة عن تحركات مسعد بولس والجهود التي تقودها واشنطن بالتنسيق مع الوسطاء للوصول إلى هدنة إنسانية وفتح الطريق أمام عملية سياسية. وفي تقديري، فإن الاختبار الحقيقي لجدية البرهان هو مدى استعداده للتعامل مع هذه المبادرات، لا مجرد إعلانه تأييد السلام.
لذلك، أنا أميل إلى أن ما نشهده هي مناورة سياسية وكسب الوقت تحت ضغط الظروف الداخلية والخارجية، إلى أن تتضح حقيقة الموقف من الهدنة والتسوية السياسية.
لكن الأيام القادمة هي التي ستحدد ما إذا كان هذا الخطاب يمثل بداية تحول حقيقي أم مجرد محاولة لتخفيف الضغوط من دون تغيير جوهري في السياسات القائمة.
فالسلام لا يُقاس بالرسائل الموجّهة إلى واشنطن، بل بالاستعداد الفعلي لوقف الحرب، وحماية المدنيين، وفتح الطريق أمام حكم مدني ديمقراطي.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.