صُعقت وأنا أتابع جزءاً من حوار أجراه “الكوز” المصري أسامة جاويش مع شخص سوداني يُدعى أبوبكر آدم، قدّمه بوصفه محللاً سياسياً.
دار النقاش حول الجريمة التي ارتكبها سلاح الطيران المصري بحق المعدّنين السودانيين في منطقة جبل العقيدات.
أما سبب صدمتي منذ بداية الحلقة، فهو أن جاويش، الذي كلما تحدث عن شأن يتعلق بإحدى الدول الخليجية، أو الإمارات تحديداً أوحى إليك بأنه إعلامي نزيه وصادق و”حقاني” ، افتتح حواره مع المحلل السوداني بسؤال مريب، إذ قال له: “هو القصف كان فين؟ في أرض مصرية، في حلايب وشلاتين المصرية، أم داخل الأراضي السودانية؟”.
منذ البداية، حاول الكوز جاويش، وبخبث واضح، مغالطة حقائق التاريخ والجغرافيا، ووضع محاوره السوداني في موقف يتيح له تمرير روايته. لكن ما صعقني أكثر هو موقف محللنا الهمام نفسه!
فبدلاً من التوقف عند هذه المغالطة والرد عليها بوضوح، استهل أبوبكر آدم إجابته بالحديث عن العلاقة الأزلية بين الشعبين، وكيف أن الحكومات تخطئ في حقهما، وهو أمر لا نعترض عليه. ثم تطرق إلى مذبحة الطيران المصري، مؤكداً أن القصف جريمة وغير مقبول، حتى لو وقع داخل الأراضي المصرية.
وأضاف: “القصف كان في منطقة قبل خط 22 وتحت الانحناءة، وهي لم تكن موضوع نزاع إطلاقاً في العلاقات بين البلدين!”.
وكأنما أراد، بهذا الكلام، أن يمنح مصر حقاً في منازعتنا على حلايب وشلاتين السودانيتين، متجاهلاً أن مجرد التسليم بوجود نزاع حولهما على هذا النحو يمثل إقراراً ضمنياً بالرواية المصرية التي تسعى إلى تكريس هذا الوضع.
ولا أدري كيف يلوم أمثاله الأنظمة على التفريط في حقوق الشعبين، بينما هو نفسه يضيّع حقوق بلده، بصفته محللاً سياسياً، حين يتعامل مع المنطقتين وكأنهما محل نزاع مشروع بين البلدين! والحقيقة التي نتمسك بها هي أن حلايب وشلاتين أرض سودانية، وضعت مصر يدها عليهما في ظروف وأسباب يعلمها القاصي والداني، إلا إذا كان لهذا المحلل رأي آخر لا نعرفه.
ويبدو لي أن الرجل لم يُعِد نفسه لحوار بهذه الأهمية؛ فما إن اتصل به جاويش ودعاه إلى الظهور حتى تلهّف للمشاركة، دون استعداد كافٍ لمناقشة قضية تمس السيادة الوطنية وحقوق البلاد.
ودليلي على ذلك أنه حين قدّمه محاوره، قال له: “التحية ليك يا أستاذ جمال!”.
محلل لا يتعرف على اسم محاوره على نحو صحيح، فكيف نتوقع منه أن يكون مستعداً لمناقشة قضية شائكة بهذا الحجم؟!
نصيحتي لكل محلل لا يملك الاستعداد الكافي، ولا يُلم بتفاصيل القضية التي يناقشها، أو لا يستطيع مواجهة محاوره بشجاعة ووضوح، أن يختار موضوعات أخرى هامشية، بعيداً عن القضايا الكبرى التي تمس سيادة الوطن ومصائر الشعوب. فقد سئمنا تضييع الحقوق والتفريط فيها، ولا نحتمل مزيداً من ذلك.
ومن المعلوم لديّ أن هذه الشاكلة من المحاورين تختار ضيوفها بعناية، بما يخدم الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها. لكن ماذا نقول فيمن يدفعهم التهافت وحب الظهور إلى قبول الظهور في مثل هذه المنابر، حتى لو كان الثمن هو الإضرار بقضايا الوطن وحقوقه الضائعة؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.