نهب منظم.. كيف تستنزف مصر ذهب السودان عبر الحدود الشمالية

تقرير ـ عين الحقيقة

تكشف الأرقام الرسمية والتحقيقات الدولية عن عملية استنزاف منظمة تتعرض لها ثروات السودان المعدنية لصالح الاقتصاد المصري، في وقت تحولت فيه الحدود الشمالية إلى الشريان الرئيسي لتهريب الذهب السوداني.
وتظهر بيانات وزارة المعادن أن السودان ينتج ما بين 80 إلى 100 طن ذهب سنوياً، يأتي 85% إلى 90% منها من عرق وجهد الدهابة في التعدين الأهلي، في حين لا تتجاوز الصادرات الرسمية الموثقة عبر بنك السودان 30% إلى 35% فقط من الإنتاج الكلي. ويقدر خبراء الاقتصاد الفجوة التي تتجاوز 60 طناً سنوياً بأنها حجم الذهب المنهوب والمهرب، وتستحوذ مصر على الحصة الأكبر منه.
وأكدت بيانات التجارة الخارجية لعام 2025 أن مصر أصبحت الوجهة الأولى لذهب ولايات الشمالية ونهر النيل والبحر الأحمر. وبشكل رسمي، تعترف الشركة المصرية السودانية للتنمية بدخول ما بين 2 إلى 3 أطنان سنوياً إلى السوق المصرية، وهو رقم يمثل الواجهة القانونية فقط لعملية أكبر تتم خارج القنوات المصرفية.
وتكشف تحقيقات موقع “ميدل إيست آي” ودراسة لمعهد “شاتام هاوس” البريطاني عن آلية النهب. ففارق السعر يمثل المحرك الأساسي، حيث يشترى غرام الذهب من المعدن السوداني بـ 55 إلى 60 دولاراً في أسواق الشمالية، ليباع في مصر بـ 80 إلى 85 دولاراً، بهامش ربح يتراوح بين 60% و80% يذهب لشبكات التهريب المرتبطة بالسوق المصرية.
كما تدفع الرسوم الجمركية والضرائب الباهظة التي تفرضها سلطات بورتسودان على الصادرات الرسمية المنتجين لتجنب القنوات الشرعية واللجوء للتهريب. ولا تستهلك مصر كل الذهب المنهوب، بل تحولت إلى محطة لإعادة ترميز المنشأ، حيث يتم صهر الذهب السوداني وإعادة تصديره بوثائق مصرية، ليظهر في السجلات الدولية كذهب مصري بينما هو في الأصل ذهب سوداني خالص.
وتتم عمليات التهريب عبر معبري أرقين وأشكيت بطرق بدائية ومنظمة في آن واحد، من خلال إخفاء الذهب في الملابس للأفراد، ونقل الشحنات الكبيرة عبر سيارات يتم تفكيكها وبيعها كقطع غيار في الجانب المصري لإخفاء الأثر. ولا تعود العائدات نقداً للسودان، بل في شكل مقايضة غير متكافئة بسلع استهلاكية بسيطة تشمل زيوتاً ومواد غذائية ووقوداً وزئبقاً و سيانيد لعمليات التعدين بأسعار مضاعفة.
واشتعل الصراع في يونيو 2025 في المثلث الحدودي بين السودان ومصر وليبيا بعد هجوم بأكثر من 250 مركبة عسكرية للسيطرة على مناجم الذهب الغنية هناك، في وقت حذر فيه رئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ المصري من “حرب ذهب” على الحدود، مما يكشف حجم الأطماع في امتداد الدرع العربي النوبي الغني بالذهب من السودان إلى الصحراء الشرقية المصرية.
ويخلص التقرير إلى أن السودان يخسر ما لا يقل عن ملياري دولار سنوياً بسبب تهريب الذهب إلى مصر وحدها، في وقت يمتلك فيه أكثر من 1500 موقع تعدين أهلي نشط في الشمالية ونهر النيل. الذهب الذي كان يمكن أن يمول رواتب المعلمين وينقذ الاقتصاد المنهار، يتحول إلى احتياطي في البنوك المصرية وسلع تعاد بيعها للسودانيين أنفسهم بأسعار مضاعفة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.