إعلام الإخوان يلفظ أنفاسه الأخيرة: حين تنقلب الرواية على أصحابها

 حسن عبد الرضي

ليست نهايات المشاريع السياسية دائماً سقوطاً مدوياً؛ فقد تبدأ بكلمة يتراجع عنها صاحبها، أو اعتراف يهدم سنوات من التضليل، أو تناقض يفضح ما عجزت الدعاية عن ستره. ويبدو أن إعلام الحركة الإسلامية في السودان يقترب من هذه اللحظة: لحظة انكشاف الرواية، وتآكل المصداقية، وانقلاب الخطاب على أصحابه.

لقد «قدّوا أضاننا قد» بعبارة «القحاتة عملوا»، حتى كادوا يقنعون الناس بأن المدنية شرٌّ وفسوق وخروج عن الدين. كلما ارتكبوا خطيئة، أو انكشف فساد، أو افتُضح فشل، ألقوا به على عاتق «القحاتة»، كما يسمّونهم استصغاراً وازدراءً. كانت تلك وصفتهم الجاهزة لتبرئة أنفسهم من كل سوء، في مصداق لما يقوله المثل: «رمتني بدائها وانسلّت».

لكن الأيام لا تجامل الكاذبين إلى الأبد، والدعاية مهما طال أمدها لا تستطيع أن تجعل الباطل حقيقة. والحمد لله أن «أضانا بردت»؛ فلم تعد أسطوانة «القحاتة هم من…» قادرة على إعفاء أصحابها من المسؤولية، ولا على تمرير الأكاذيب كما كانت تفعل. فقد بدأ كثير من السودانيين يدركون حقيقة ما جرى، بل إن بعض الذين شاركوا في صناعة التضليل أو الترويج له بدأوا يكتشفون أن الرواية التي دافعوا عنها لم تكن بالحقيقة التي صوّروها.

ها هو عثمان ميرغني يقرّ بأن «القحاتة» أثبتوا أنهم مدرسة في السياسة والنزاهة والأخلاق والتهذيب. وإذا صحّ هذا التصريح، فالسؤال ليس ماذا قال اليوم، بل لماذا احتاج إلى كل هذا الوقت ليكتشف ما ظلّ خصوم القوى المدنية ينكرونه أو يشوّهونه؟ وما الذي تغيّر: هل تغيّرت القوى المدنية، أم سقطت الصورة التي رُسمت لها بعناية في أذهان الناس؟

لسنا بحاجة إلى تحويل قوى الحرية والتغيير إلى ملائكة، ولا إلى منحها حصانة ضد النقد. لكننا نسأل: هل كانت تحتاج إلى شهادة من خصومها كي تثبت أهليتها السياسية؟ وهل يحتاج من مارس السياسة المدنية، وخاض معارك الانتقال الديمقراطي، إلى إذن من إعلام اعتاد التشكيك فيه حتى يُعترف له بالخبرة والنزاهة؟

المشكلة لم تكن في حق القوى المدنية في أن تخطئ أو تصيب؛ بل في حملة جعلت التخوين بديلاً عن السياسة، والتشويه بديلاً عن الحوار، وتحميل المدنيين أوزار الانهيار وسيلةً لتبرئة أصحاب المشروع الذي حكم السودان عقوداً.

إن الاعتراف المتأخر لا يمحو ما سبقه، لكنه يفتح الباب أمام سؤال أشد إلحاحاً: كم من الأكاذيب رُوّجت باعتبارها حقائق؟ وكم من المواقف صيغت لخدمة أجندة سياسية، لا لمصلحة الشعب السوداني؟

أما ضياء الدين بلال، الذي يصفه منتقدوه بالتملق للسلطة، فيواصل الدوران في الحلقة القديمة؛ إذ يحذّر الدعم السريع من جماعة «صمود». وهنا تبلغ المفارقة ذروتها!

إذا كانت الحرب، كما يزعم دعاة استمرارها، حرباً ضد الدعم السريع، فلماذا يبدو بعضهم أشد انشغالاً بالقوى المدنية من انشغالهم بإنهاء الحرب وإعادة السياسة إلى مكانها الطبيعي؟

ما الذي يجعل جماعة مدنية، لا تنافس على السلطة بفوهة البندقية، مصدراً لكل هذا القلق؟ هل يخشى ضياء الدين على الدعم السريع من «صمود»، أم يخشى أن تفضي التسوية السياسية إلى استعادة المدنيين دورهم، وأن تنتهي الحرب إلى نتيجة لا تخدم الذين راهنوا عليها؟

إن شرّ البلية ما يضحك: يُرفع شعار مواجهة الدعم السريع، ثم يُحذَّر من القوى المدنية التي تدعو إلى وقف الحرب. وكأن الخطر الحقيقي ليس في السلاح الذي يمزّق البلاد، بل في السياسة التي قد تنتزع من أصحابه حق تقرير مستقبلها!

هذه المفارقة ليست تفصيلاً عابراً، بل تكشف جوهر الأزمة. فلم تكن المعركة، في حسابات بعض القوى، مجرد مواجهة عسكرية؛ بل كانت أيضاً صراعاً على من يملك حق حكم السودان، ومن يُسمح له بالمشاركة في تقرير مصيره. ولذلك ظلت القوى المدنية هدفاً للتشويه، لأنها تطرح بديلاً عن حكم البندقية، وتذكّر السودانيين بأن السلطة ليست غنيمة للعسكر، ولا امتيازاً لجماعة تزعم احتكار الحقيقة.

ومن هنا تتضح أزمة الإعلام الإخواني: لقد استثمر طويلاً في شيطنة خصومه، لكنه يجد نفسه اليوم أمام تناقضات يصعب ترقيعها. بعض رموزه يبدأ مراجعة مواقفه، وبعضهم يصرّ على الخطاب القديم، حتى يصبح التناقض أبلغ من أي رد، ويغدو الدفاع عن الرواية عبئاً على أصحابها.

وهنا تكمن النهاية الحقيقية: حين تتحول أدوات الدعاية من أسلحة لتضليل الناس إلى أدلة على إفلاس أصحابها. فالمشروع الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة في ميدان الأفكار ليس بالضرورة مشروعاً اختفى أصحابه، بل مشروع فقد القدرة على إقناع الناس، ولم تعد شعاراته قادرة على حجب تناقضاته أو ستر خطاياه.

أما أنصار المدنية ووقف الحرب، فالقضية عندهم أعمق من الانتصار لطرف سياسي على آخر. فلا خلاص للسودان باستبدال وصاية بأخرى، ولا باستبدال جنرال بآخر، ولا بإعادة تدوير خطاب يستمد قوته من الخوف والكراهية. الخلاص في الحرية، واحترام الإنسان، وإخضاع السلطة للعقل والضمير والقانون، وبناء دولة لا يحتكرها حزب أو تنظيم أو قائد عسكري.

ولذلك لا نحتاج إلى المبالغة في مدح القوى المدنية، كما لا ينبغي أن نكفّ عن نقدها. ما نحتاج إليه هو معيار واحد للجميع: من يدعم السلام؟ من يحترم حق الشعب في الاختيار؟ من يقبل التداول السلمي للسلطة؟ ومن يضع مصلحة السودان فوق مصلحة التنظيم والجيش والزعيم؟

أما الذين روّجوا لتضليل الناس، فالمطلوب منهم أكثر من تبديل النبرة أو إطلاق اعتراف عابر. المطلوب مراجعة صريحة للمواقف، واعتراف بالمسؤولية، ومساءلة عن الدور الذي لعبه الإعلام في تأجيج العداوات وتبرير الاستبداد وتسويق الأكاذيب.

لقد بدأت الرواية تتصدع، وبدأت التناقضات تتكلم بلسان أصحابها. وحين يكتشف بعض مروّجي التشويه أن خصومهم ليسوا بالصورة التي رسموها لهم، بينما ينشغل آخرون بتحذير أطراف الحرب من القوى المدنية، يصبح السؤال مشروعاً: من الذي كان يخشى السياسة حقاً؟ ومن الذي احتاج إلى تشويه المدنية كي يبرّر إقصاءها؟

السودان أكبر من الإخوان، وأكبر من الدعم السريع، وأكبر من كل من ظنّ أن السلاح أو الدعاية يمنحانه حق الوصاية على الشعب.

فالحرية لا تحتاج إلى شهادة من خصومها كي تستحق مكانها؛ أما الذين حاربوها بالتضليل، فربما اكتشفوا متأخرين أن أخطر ما يواجههم ليس خصومهم، بل الحقيقة حين تتوقف عن طاعة روايتهم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.