منذ استيلاء الجيش على السلطة في انقلاب أكتوبر 2021، ثم اندلاع الحرب في أبريل 2023، دخل السودان في دوامة من الأزمات السياسية والاقتصادية والإنسانية. ومع استمرار الحرب، تراجعت قدرة المؤسسات على أداء وظائفها، واتسعت الفجوة بين احتياجات المواطنين وأولويات السلطة. وفي ظل هذه الظروف، لا يكفي أن تتحدث السلطات عن السيادة الوطنية أو الدفاع عن الدولة، بينما يعجز المواطن عن الحصول على الغذاء والدواء، وتتراجع فرص التعليم، وتتدهور الخدمات الأساسية.
السيادة الحقيقية ليست مجرد شعارات تُرفع في المنابر، بل قدرة الدولة على حماية مواردها من التهريب، وضمان توجيه عائداتها إلى التنمية، وصون كرامة مواطنيها، ومنع تحويل ثروات البلاد إلى مكاسب لشبكات المصالح والنفوذ.
كما أن الدفاع عن الاقتصاد الوطني لا يكون بتأجيج العداء للشعوب الأخرى، وإنما ببناء مؤسسات رقابية مستقلة، ونشر بيانات التجارة الخارجية، ومحاسبة المتورطين في الفساد والتهريب، وإخضاع العقود والامتيازات المتعلقة بالموارد العامة للشفافية والمساءلة.
إن أخطر ما في الأزمة ليس فقط ضياع الموارد، بل غياب الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم. فعندما لا يعرف الناس أين تذهب ثروات بلدهم، ولا يجدون ما يسد رمق أطفالهم، تصبح الأسئلة الاقتصادية أسئلة سياسية وأخلاقية عن جدوى السلطة وأولوياتها.
لا تحتاج البلاد إلى مزيد من الخطب التي تعد بالنصر، بل إلى كشف حساب واضح عن مواردها. فمن حق السودانيين معرفة حجم صادرات الذهب، والجهات التي تشتريه، وحصة الدولة من عائداته، ومقدار ما يُفقد عبر التهريب. ومن حق المزارعين معرفة السياسات التي تحمي إنتاجهم وأسواقهم، ومن حق المواطنين الاطلاع على الإيرادات العامة وأوجه إنفاقها.
كما ينبغي مراجعة الاتفاقيات التجارية والامتيازات المرتبطة بالموارد الطبيعية، والتأكد من أنها تحقق منفعة عامة، لا مكاسب ضيقة على حساب المجتمع. ويجب أن تشمل المحاسبة جميع الأطراف المتورطة، بصرف النظر عن مواقعها السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية.
إن الحديث عن نهب خيرات السودان لا ينبغي أن يتحول إلى اتهامات فضفاضة بلا أدلة، بل إلى تحقيقات مستقلة تستند إلى بيانات موثوقة، وتكشف مسارات الأموال والسلع، وتحدد المسؤوليات بوضوح. فالمعركة الحقيقية ليست بين السودانيين والمصريين، ولا بين الشعوب التي تتبادل التجارة، وإنما بين حق المواطن في ثروات بلاده وبين منظومة الفساد والتهريب والحرب التي تحرمه من هذا الحق.
نقولها للبرهان، لا معنى للحديث عن دولة قوية فيما يجوع مواطنوها، ولا قيمة للسيادة إذا كانت الثروات تتسرب عبر منافذ لا تخضع للرقابة الكافية، ولا يمكن تبرير استمرار الأزمة الاقتصادية باعتبارها مجرد نتيجة حتمية للحرب من دون تقديم حساب واضح عن القرارات والسياسات والإخفاقات.
السودان ليس بلداً فقيراً في موارده، لكنه يعيش أزمة في إدارة ثرواته وحماية إنتاجه وتوجيه إمكاناته لخدمة الإنسان. وهذه الأزمة لا يمكن علاجها بالدعاية السياسية، ولا بتخوين المنتقدين، ولا بإلقاء المسؤولية كاملة على الخارج. إن المطلوب وقف الحرب، واستعادة الحكم المدني، وبناء مؤسسات خاضعة للمساءلة، ومكافحة الفساد والتهريب، وضمان توزيع عادل لعائدات الموارد، ووضع الغذاء والصحة والتعليم في مقدمة الأولويات.
فليس من المقبول أن يبقى السودان غنياً في باطن الأرض وفقيراً في موائد أهله، وأن تتحول ثرواته إلى أرقام في تقارير الصادرات، بينما يصبح الحصول على وجبة كريمة معركة يومية لمواطنيه. تلك هي مفارقة دولة البرهان: موارد هائلة، ومواطنون منهكون، وأسئلة بلا إجابات كافية. وسيظل السؤال قائماً حتى يجد السودانيون جواباً عملياً: لمن تُدار ثروات السودان، ولصالح من تُحكم البلاد؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.