ليس أخطر على الأوطان من سلطةٍ تتحدث عن السيادة الوطنية ليل نهار، بينما تترك مواطنيها يدفعون ثمن الحرب والجوع والفقر، وتحيط قراراتها المتعلقة بالأرض والثروات والموارد بجدران من الغموض وغياب الشفافية. ففي السودان، حيث تُزهق الأرواح وتُهجّر الأسر وتُدمّر القرى والمدن، يحق للسودانيين أن يسألوا بصوت عالٍ: ماذا يجري في ملف الأراضي والحدود والعلاقات الاقتصادية مع مصر؟ ومن يملك حق اتخاذ القرارات التي تمس مستقبل ملايين السودانيين وأجيالهم القادمة؟ تتداول اتهامات بشأن تنازلات تتصل بحلايب وشلاتين، وبشأن ترتيبات استثمارية يُقال إنها تستهدف نحو عشرة ملايين فدان في الولاية الشمالية والقضارف، تحت مسميات الاستثمار والإيجار طويل الأجل، مع الحديث عن أدوار لشركات تجارية، من بينها شركة زادنا. وهي مزاعم خطيرة لا يجوز التعامل معها باعتبارها حقائق ثابتة من دون نشر الوثائق التي تثبتها، لكنها في الوقت نفسه تطرح أسئلة مشروعة لا يحق لأي سلطة أن تتهرب منها: أين الاتفاقيات؟ وما طبيعة الأراضي المعنية؟ وما مدة الانتفاع بها وشروطه؟ ومن المستفيد؟ وهل عُرضت هذه الترتيبات على مؤسسات الدولة المختصة والرأي العام؟
خبير: السؤال السياسي الأوسع يظل قائماً: كيف يمكن لسلطة ترفع شعار حماية الوطن أن تطالب المواطنين بالتضحية بأرواحهم وممتلكاتهم باسم السيادة، لا تقدم لهم شفافية كافية بشأن الملفات التي تمس الأرض والموارد والحدود؟
دعوة للمواجهة
الخبير الاقتصادي نورالدين محمد مضى قائلا: إن كان لدى حكومة البرهان ما ينفي هذه الاتهامات، فلتضع الحقائق أمام السودانيين، ولتنشر الاتفاقيات والخرائط وشروط الاستثمار والجهات المستفيدة. أما أن تظل قضايا الأرض والثروة محاطة بالغموض، فيما يُطلب من المواطنين الصبر على الحرب وانهيار الاقتصاد، فذلك يفتح الباب واسعاً أمام الشكوك ويقوّض الثقة في مؤسسات الدولة.
ويضيف محمد: قضية حلايب وشلاتين ليست تفصيلاً هامشياً في العلاقات السودانية المصرية، بل قضية حدود وسيادة وطنية ظلت موضع نزاع بين البلدين لعقود. ولهذا فإن أي حديث عن تنازل رسمي أو تغيير في الموقف السوداني يستوجب وثائق واضحة وموقفاً معلناً من المؤسسات المختصة، لا تسريبات أو اتهامات متداولة أو تصريحات للاستهلاك الإعلامي. لكن السؤال السياسي الأوسع يظل قائماً: كيف يمكن لسلطة ترفع شعار حماية الوطن أن تطالب المواطنين بالتضحية بأرواحهم وممتلكاتهم باسم السيادة، بينما لا تقدم لهم شفافية كافية بشأن الملفات التي تمس الأرض والموارد والحدود؟
تفريط في المستقبل ؟
الباحث السياسي خالد النور في تصريح لـ(عين الحقيقة) يقول: القضية ليست في رفض الاستثمار الأجنبي من حيث المبدأ، ولا معاداة المستثمر المصري أو غيره، وإنما تحديد الشروط التي تجعل الاستثمار في مصلحة السودان: هل يخلق فرص عمل حقيقية للسودانيين؟ وهل يضمن حقوق المزارعين والرعاة والمجتمعات المحلية؟ وهل يحافظ على المياه والتربة والبيئة؟ وهل تعود عائداته بصورة عادلة إلى الخزانة العامة؟ وهل توجد رقابة مستقلة تمنع تحويل المشروعات الاستثمارية إلى امتيازات مغلقة طويلة الأجل؟ إن عقد إيجار لمدة 99 عاماً، إذا ثبت وجود ترتيب من هذا النوع، ليس قراراً تجارياً عادياً. فهو يمتد عملياً عبر أجيال، ويستوجب تدقيقاً قانونياً واقتصادياً وبيئياً واسعاً، وإعلان شروطه ومدته ومساحته والجهة المستفيدة منه، وآليات مراجعته أو إنهائه، والضمانات التي تحمي حقوق الدولة والمجتمعات المحلية. ومن حق أهل الشمالية والقضارف أن يعرفوا مصير أراضيهم، وأن يشاركوا في القرارات التي تمس مصادر رزقهم ومستقبل مناطقهم. فلا يجوز أن يتحول المواطن الذي ظل يزرع أرضه ويواجه العطش وارتفاع تكاليف الإنتاج إلى مجرد متفرج على ترتيبات تُتخذ باسمه من دون علمه أو مشاركته.
حرب بلا أفق وشفافية غائبة
إن جوهر الأزمة السياسية في السودان يتجاوز شخص البرهان إلى منظومة الحكم التي أعادت إنتاج عسكرة الدولة، وضيّقت المجال أمام الرقابة المدنية، وجعلت الحرب تتقدم على أولويات الحياة والإنتاج والخدمات. وقد استفادت شبكات مرتبطة بالنظام السابق، وفق انتقادات سياسية واسعة، من استمرار نفوذها داخل مؤسسات الدولة، الأمر الذي يثير مخاوف جدية بشأن استقلال القرار العام ومصالح القوى المتداخلة مع السلطة. ومن هنا، فإن مساءلة حكومة البرهان والقوى الإسلامية المتحالفة معها لا ينبغي أن تقتصر على الموقف من الحرب أو الخطاب السياسي، بل يجب أن تشمل إدارة الموارد العامة، والعقود الاقتصادية، والامتيازات التجارية، ومصير الأراضي الزراعية، وحقوق المواطنين في معرفة ما يُبرم باسم الدولة.
الأرض التي يتحدث عنها السودانيون اليوم هي أرض أجيال سبقتهم، وحق أجيال لم تولد بعد. ولذلك لا يملك أي قائد عسكري أو حكومة أمر واقع تفويضاً مطلقاً للتصرف في الموارد الوطنية بمعزل عن القانون والمصلحة العامة والرقابة الشعبية.
كشف الحقائق
أمام خطورة هذه المزاعم، فإن المطلوب واضح ومحدد: نشر أي اتفاقيات أو مذكرات تفاهم تتعلق بالأراضي الزراعية في الشمالية والقضارف، مع توضيح المساحات والمدة والجهات المستفيدة. إعلان الموقف الرسمي والقانوني من قضية حلايب وشلاتين، وتوضيح ما إذا كانت هناك أي اتفاقات أو تفاهمات جديدة بشأنها. الكشف عن دور شركة زادنا والشركات الأخرى في المشروعات المعنية، ونشر العقود والضمانات وآليات اختيار المستثمرين، متى كانت هذه العقود قائمة. إخضاع أي ترتيبات طويلة الأجل لمراجعة قانونية واقتصادية وبيئية مستقلة، وضمان حقوق السكان والمزارعين والرعاة. تمكين الصحافة والجهات الرقابية والمجتمع المدني من الوصول إلى المعلومات ومساءلة المسؤولين دون ترهيب أو تضييق. هذه ليست مطالب عدائية تجاه مصر، ولا دعوة إلى قطع العلاقات أو رفض التعاون الاقتصادي، بل مطالب مشروعة لحماية المصالح السودانية وضمان أن تقوم العلاقات بين البلدين على الندية والشفافية والمنافع المتبادلة.
السودان ليس ملكاً للبرهان
إن الأرض التي يتحدث عنها السودانيون اليوم هي أرض أجيال سبقتهم، وحق أجيال لم تولد بعد. ولذلك لا يملك أي قائد عسكري أو حكومة أمر واقع تفويضاً مطلقاً للتصرف في الموارد الوطنية بمعزل عن القانون والمصلحة العامة والرقابة الشعبية. وإذا كانت المزاعم بشأن حلايب وشلاتين وعقود الأراضي طويلة الأجل لا تزال بحاجة إلى أدلة ووثائق تثبتها، فإن واجب السلطة هو إزالة الغموض، لا ترك المجال مفتوحاً للشكوك. فالصمت لا يقدم إجابات، والتخوين لا يعوض غياب المعلومات، والدعاية السياسية لا تحمي السيادة.
لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً للحرب، من أرواح أبنائهم إلى منازلهم ومزارعهم ومدخراتهم. وليس مقبولاً أن يُطلب منهم تحمل مزيد من الأعباء بينما تظل القرارات المتعلقة بثرواتهم وأراضيهم بعيدة عن أعينهم. السودان ليس ملكاً للبرهان، ولا للإخوان المسلمين، ولا لأي شركة أو مجموعة مصالح. إنه ملك لشعبه. ومن حق هذا الشعب أن يعرف، وأن يحاسب، وأن يرفض أي تفريط في حقوقه، وأن يستعيد دولته عبر حكم مدني ديمقراطي يجعل السيادة الوطنية حقيقة في حياة الناس، لا مجرد شعار يُرفع كلما احتاجت السلطة إلى تبرير بقائها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.