يسير السودان على خط رفيع بين حرب تتسع ودولة تنكمش فالمعارك تتنقل من مكان إلى آخر وحياة الناس تضيق تحت وطأة النزوح والغلاء وانقطاع سبل العيش وغدا السؤال الأعمق من من يتقدم في الميدان كم بقي من وطن يجمع السودانيين بعد انقضاء المعارك
عسكريا تبقى كردفان والنيل الأزرق من أشد مسارح القتال سخونة وتعبر المسيرات خطوط الجبهات لتجعل الخطر أقرب إلى المدن ومرافق الإغاثة والمدنيين وتتبادل القوات الهجوم والتقدم والتراجع على محاور متفرقة فلا تعني تغيرات السيطرة اقتراب النصر بقدر ما تكشف اتساع حرب الاستنزاف ومع تصاعد التوتر على الحدود مع إثيوبيا يصير خطأ الحساب السوداني بابا لأزمة إقليمية وقد حذرت الأمم المتحدة من تدهور الوضع ومن غياب الاستعداد الجاد لهدنة تفتح باب الحوار
وسياسيا تتكاثر مبادرات السلام وتتزاحم على منصات الوساطة بين مساع إقليمية ودولية وحوار داخلي تحف به خلافات التمثيل وشروط المشاركة وفي الوقت الذي تتعالى فيه لغة الحسم العسكري تبقى حياة المدنيين معلقة على هدنة لا تأتي وما لم تتحول المبادرات إلى ضغط حقيقي لوقف النار وحماية الناس فستظل الدبلوماسية وصفا للحريق وهو يتسع
واقتصاديا تتجسد الحرب في طوابير الوقود ومزارع تتعطل وأسواق تفقد قدرة الناس على الشراء فقد أضر توقف إنتاج النفط وندرة النقد الأجنبي بإمدادات الوقود وألقت أزمته بثقلها على الزراعة والنقل والخدمات وزاد النزوح وتعطل الطرق وتقلب الأمطار ضغطا على الإنتاج والأسعار فاقتربت أسر كثيرة من الجوع في بلاد تملك الأرض والماء والقدرة على إطعام نفسها تلك مفارقة مرة أن تكون الموارد واسعة والمائدة فارغة
ليست المعضلة أن السودان فقد موارده بل أن الحرب تحول بينه وبين استخدامها ولا يقاس النصر بمساحة تضاف إلى خريطة السيطرة إذا كانت الأرض تخلو من أهلها والمحاصيل تذبل والدولة تفقد معناها في حياة المواطن إن المخرج يبدأ بوقف القتال وفتح الممرات الإنسانية وإعادة السياسة إلى المدنيين وبناء مؤسسات تحمي الجميع فالوطن الذي ينجو من النار ويخسر أهله وقوته يبقى اسما على خريطة وجرحا في ذاكرة الناس .
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.