في السودان، حيث تتعدد الثروات وتتنوع الموارد من الذهب إلى الأراضي الزراعية الخصبة، ومن الثروة الحيوانية إلى الموارد المعدنية، لم يعد السؤال المؤلم هو لماذا يعاني السودانيون الفقر، بل كيف أصبح شعب يعيش فوق أرض غنية بكل هذه الإمكانات مهدداً بالجوع، بينما تتسع دوائر الاستفادة من ثرواته خارج حدوده؟ إنها واحدة من أكثر المفارقات قسوة في ظل سلطة الفريق أول عبد الفتاح البرهان: بلد يمتلك مقومات إنتاج الغذاء وتحقيق الرفاه، لكن ملايين من مواطنيه يواجهون انعدام الأمن الغذائي، فيما تتصاعد الاتهامات بشأن تهريب موارده واستغلالها بعيداً عن مصالح شعبه.
إنها مفارقة دولة تُصدّر الثروة وتستورد العجز، وتترك مواطنيها يدفعون ثمن الحرب والفساد وسوء الإدارة. ثروات السودان.. لمن تذهب العائدات؟ فليس سراً أن السودان يمتلك موارد هائلة، ولا أن الذهب والثروة الحيوانية والمحاصيل الزراعية تمثل ركائز أساسية لاقتصاده. لكن المأساة تكمن في الفجوة الواسعة بين حجم هذه الموارد ومستوى معيشة المواطنين، وفي ضعف قدرة الدولة على تحويلها إلى خدمات عامة وغذاء وتعليم وصحة وفرص عمل.
وفي مقدمة الملفات المثيرة للقلق، تأتي تجارة الذهب والاتهامات المتعلقة بتهريبه إلى الخارج، بما يحرم الخزانة العامة من عائدات كان يمكن أن تسهم في تمويل الخدمات الأساسية ودعم الإنتاج الزراعي وتخفيف معاناة الأسر الفقيرة.
وتتجدد الأسئلة حول طبيعة العلاقات التجارية مع مصر، وحجم ما يُصدَّر إليها من موارد سودانية، ومدى استفادة المواطنين السودانيين من هذه التجارة. فالتبادل التجاري بين الدول ليس جريمة في حد ذاته، ولا يجوز اعتبار كل مستفيد من التجارة نهّاباً، لكن التجارة العادلة لا تُقاس بحركة السلع وحدها، وإنما أيضاً بشفافية العقود، وعدالة الأسعار، وحجم العائد الذي يعود إلى المنتج السوداني والخزانة العامة.
أما حين تحيط بالموارد شبهات التهريب، وتغيب المعلومات الكافية عن العائدات، ويعجز المواطن عن توفير احتياجاته الأساسية، فإن من حق الشعب أن يسأل: من يملك القرار الاقتصادي؟ ومن يراقب حركة الثروات؟ وأين تذهب الأموال التي يفترض أن تُنفق على إنقاذ البلاد؟ العلاقة بين السودان ومصر علاقة جغرافيا وتاريخ ومصالح مشتركة، ومن مصلحة الشعبين أن تقوم على التعاون المتكافئ والاحترام المتبادل. لكن هذه العلاقة لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء لتجاهل اختلالات التجارة أو التغاضي عن أي ممارسات تضر بالاقتصاد السوداني.
فإذا كانت هناك موارد سودانية تُباع بأسعار لا تعكس قيمتها الحقيقية، أو منتجات تُهرَّب عبر شبكات تستفيد من الفوضى وضعف الرقابة، فإن المسؤولية تقع على عاتق الجهات التي يفترض أن تحمي الحدود والأسواق والإنتاج الوطني. والسؤال الذي يفرض نفسه على سلطة البرهان ليس ما إذا كان المصريون يستفيدون من التجارة مع السودان، بل ما إذا كانت هذه التجارة تحقق للسودانيين نصيباً عادلاً من ثرواتهم، وما إذا كانت الدولة تملك بيانات شفافة عن الصادرات والواردات، وتراقب عمليات التهريب، وتحمي حقوق المنتجين والمعدنين والمزارعين. لا يمكن اتهام شعب كامل بنهب ثروات شعب آخر، لكن لا يجوز أيضاً إسكات الأسئلة المشروعة حول المصالح الاقتصادية وشبكات التهريب والجهات المستفيدة من غياب الرقابة.
في الجانب الآخر من هذه المفارقة، يقف المواطن السوداني في مواجهة واقع معيشي بالغ القسوة. أسر فقدت مصادر دخلها، ومزارعون عجزوا عن الوصول إلى أراضيهم، وعمال توقفت أعمالهم، ونازحون يعتمدون على المساعدات الإنسانية، وأطفال يواجهون خطر سوء التغذية.
لقد حولت الحرب مساحات واسعة من البلاد إلى مناطق يصعب فيها إنتاج الغذاء أو نقله، وأضعفت الأسواق ورفعت تكاليف المعيشة، بينما جعل النزوح وانهيار الخدمات الحصول على الطعام مهمة يومية شاقة لملايين الناس.
ولا يمكن فصل هذه الكارثة عن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، وما ترتب عليها من تدمير للبنية التحتية وتعطيل للزراعة والتجارة، فضلاً عن الانتهاكات والقيود التي تعترض وصول المساعدات الإنسانية. لكن الحرب لا تمنح السلطة صك براءة من المسؤولية. فالحكومة التي تتولى إدارة شؤون البلاد مطالبة بتقديم إجابات واضحة بشأن حماية الإنتاج، وتأمين الإمدادات، ومكافحة التهريب، وتوفير المعلومات عن الموارد العامة، وضمان وصول الغذاء إلى المحتاجين.
وإذا كانت الإمكانات محدودة بفعل الحرب، فإن الأولوية يجب أن تكون لإنقاذ الإنسان، لا توجيه الموارد والخطاب السياسي نحو إطالة أمد الصراع وتبرير العجز.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.