قصاصات راي
لم أكن أعلم، يا أستاذي عادل الباز، أطال الله عمرك وأبقاك لنا ذخراً وسنداً، أن الطين يمكن أن يرتقي إلى مصاف السياسة، حتى شبّهتَ حيطة الزبالة بحكومة رئيس الوزراء كامل إدريس. وهي مقارنة أخشى أن تغضب منها الحيطة قبل أن تغضب الحكومة.
فالحيطة، أولاً، معروفة المواد. طين وتبن وماء، لا يختلف عليها اثنان ولا تحتاج إلى لجنة لتحديد مكوناتها. أما الحكومة فمكوناتها، إلى الآن، تحتاج إلى لجنة لتحديد من فيها ومن خرج منها ومن لم يعلم بعدُ أنه وزير.
وهي ثانياً لا تقوم إلا على أيدٍ خبيرة: أسطى متمرس يعرف الميقات والمقادير، يعرف متى يزيد الماء ومتى يكفّ. أما عندنا فالمقادير تُوزَّع بالمحاصصة، والميقات يضبطه من يملك الساعة.
وثالثاً، للحيطة نظام عمل محكم بين الأسطى والعمال: لا تأخير يجوز ولا استعجال ينفع. الأسطى يأمر والعامل ينفذ، والحيطة ترتفع في انسجام تام بين العمال والاسطي والمواد والزمن. أما في الحكومات فكل عامل يظن نفسه أسطى، وكل أسطى يظن أن الحيطة ستقف وحدها إن أُحسن الدعاء.
ورابعاً، الحيطة ذكية بيئياً: باردة صيفاً دافئة شتاءً، لا تطلب مروحة ولا مدفأة، ولا تشكو انقطاع الكهرباء. وهنا تكمن المفارقة المحزنة، فالمواطن السوداني يتمنى حكومة تكتفي بهذا القدر: تبرّده في الصيف ولا تحرقه، وتدفئه في الشتاء ولا تجمّده، دون أن يمدّ يده إلى جيبه.
وخامساً، الحيطة معلومة التكلفة: كم يوماً تستغرق، وكم عاملاً يشتغل، وكم كيس تبن يلزم. لم يحدث أن سمعنا بحيطة زبالة ظهر فيها «عجز غير متوقع» أو «فجوة تمويلية»، ولا أن أسطاها خرج على الناس ليشرح لماذا تأخر الإنجاز ولماذا ارتفعت التكلفة. أما الميزانيات الحكومية فأرقامها تتغير أسرع من الطقس.
وسادساً، الحيطة لا تدّعي. لا أبواب ثمينة ولا سقوف مستعارة ولا بلاط موزايكو. تعرف غرضها وتقف عنده: ستر وحماية وظلّ. أما نحن فنُسمّع الناس كثيراً عن القصور المستقبلية، والحيطة صامتة تؤدي ما عليها وتمضي.
فلا يسعني، يا أستاذي، إلا أن أقول: لو أن حكومتنا استلهمت من حيطة الزبالة ربع منهجها، مواد معلومة وأسطى يعرف شغله وتكلفة واضحة وغرضاً بسيطاً صادقاً، لكنا اليوم في خير حال. وإن كان في تشبيهك ظلم، فهو ظلم للحيطة لا للحكومة، فالحيطة، على بساطتها، لم يُعرف عنها أنها وعدت بما لا تفعل.
وفي الختام، أرجو أن يتسع صدر الحكومة لهذه المداعبة، فهي من محبّ لا من خصم، وإن كان الطين لا يغضب، فالحكومات تغضب أحياناً.
تحياتي واحترامي لأستاذي الجليل.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.