من إدارة التعليم بشرق النيل إلى كمائن الطوب.. حين يعجز راتب المعلم عن تسيير الحياة

تقرير: عين الحقيقة

لم يكن الأستاذ علي حسين يتخيل، وهو يتولى إدارة التعليم بوحدة ود حسونة بشرق النيل، أن يأتي يوم يضطر فيه إلى مغادرة مكتبه التربوي، والبحث عن مصدر رزق إضافي بين أكوام الطين وقوالب الطوب، في محاولة لتوفير الحد الأدنى من احتياجات أطفاله. لكن قسوة الواقع المعيشي، وتآكل قيمة المرتبات، دفعته إلى العمل في إحدى كمائن الطوب، بينما يعمل حالياً بمكتب توجيه أم ضوا بان، وفق المعلومات المتاحة عن حالته. تحكي صورة الأستاذ علي حسين، وهو يعمل في صناعة الطوب، حكاية تتجاوز حدود معاناة فرد واحد، لتضع واقع المعلمين في السودان أمام سؤال مؤلم: كيف يمكن لمعلم أفنى سنوات من عمره في تربية الأجيال، وتولى مسؤولية إدارة مؤسسة تعليمية، أن يعجز راتبه عن توفير لقمة العيش لأسرته؟ إنها ليست مجرد حكاية عن أستاذ اضطر إلى ممارسة عمل شاق خارج مهنته، بل صورة مكثفة لأزمة اقتصادية واجتماعية تضرب قطاع التعليم، وتكشف حجم التناقض بين المكانة التي يفترض أن يحتلها المعلم في المجتمع، والواقع الذي يُترك فيه ليواجه الفقر بمفرده.
راتب لا يكفي..
يواجه المعلمون السودانيون أوضاعاً معيشية بالغة القسوة، في ظل ارتفاع أسعار الغذاء والدواء والإيجارات وتكاليف التعليم، وتراجع القوة الشرائية للأجور. ومع استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية، أصبحت المرتبات التي يتقاضاها كثير من العاملين في القطاع العام عاجزة عن مواكبة الاحتياجات الأساسية للأسر. وفي هذه الظروف، لم يعد العمل الإضافي خياراً لتحسين مستوى المعيشة بالنسبة إلى بعض المعلمين، بل تحول إلى ضرورة تفرضها الحاجة إلى إطعام الأطفال وتوفير متطلبات الحياة اليومية.
وتجسد حالة الأستاذ علي حسين هذه المأساة؛ فبدلاً من أن يكرس وقته وخبرته للعملية التعليمية وتوجيه المعلمين ومتابعة شؤون المدارس، يجد نفسه مضطراً إلى العمل في كمائن الطوب، بحثاً عن دخل يسد الفجوة التي تركها الراتب الحكومي. ولا ينتقص العمل الشريف في صناعة الطوب من قيمة صاحبه أو كرامته، فكل مهنة تكسب الإنسان رزقه بعرق جبينه تستحق الاحترام. لكن المأساة الحقيقية تكمن في أن يضطر صاحب الخبرة التربوية إلى البحث عن عمل إضافي شاق، لأن أجره الأساسي لا يوفر لأطفاله الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.
أزمة المعلمين..
لا يمكن فصل قصة الأستاذ علي حسين عن الأزمة الأوسع التي يعيشها المعلمون في السودان، حيث تتداخل آثار الحرب مع تدهور الأجور وتأخر الاستحقاقات المالية واضطراب العملية التعليمية. فقد تعرض قطاع التعليم لضربات متلاحقة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، شملت إغلاق المدارس وتعطل المؤسسات التعليمية ونزوح المعلمين والطلاب، فضلاً عن ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع قدرة الأسر على تحمل نفقات التعليم.
وفي ظل هذه الظروف، أصبحت قضية المرتبات في صدارة مطالب المعلمين، الذين يواجه كثير منهم صعوبة متزايدة في توفير احتياجات أسرهم، بينما تتراكم عليهم الالتزامات اليومية. ومن هنا، فإن الإضرابات والاحتجاجات التي يلجأ إليها المعلمون للمطالبة بتحسين الأجور وصرف المستحقات ليست مجرد خلافات إدارية بين العاملين والجهات الحكومية، بل تعبير عن أزمة تمس حق المعلم في الحياة الكريمة، وحق الطلاب في تعليم مستقر، وحق المجتمع في مستقبل أفضل.
وعندما يصل المعلم إلى مرحلة يعجز فيها عن توفير الطعام لأطفاله، يصبح الحديث عن انتظام الدراسة وجودة التعليم ناقصاً ما لم تُعالج الأسباب التي تدفع العاملين في القطاع إلى الاحتجاج أو البحث عن مصادر دخل بديلة. إن مطالبة المعلمين بحقوقهم المالية ليست ترفاً، كما أن الإضراب، عندما يأتي في إطار المطالبة بحقوق مهنية ومعيشية مشروعة، لا ينبغي أن يُواجَه بالتجاهل أو الاستخفاف، بل بالحوار الجاد والاستجابة العملية للمطالب.
من يدافع عن المعلم؟
تطرح مأساة الأستاذ علي حسين أسئلة صعبة أمام السلطات المسؤولة عن التعليم والخدمة المدنية: ما قيمة السياسات التعليمية إذا كان المعلم الذي يُفترض أن ينفذها عاجزاً عن إعالة أسرته؟ وكيف يمكن مطالبة المعلمين بالتفرغ لمهامهم التربوية، بينما تدفعهم الظروف الاقتصادية إلى العمل في مهن إضافية لتغطية نفقات المعيشة؟ إن مسؤولية حماية المعلمين لا تقتصر على الإشادة بدورهم في المناسبات الرسمية، أو وصفهم بأنهم بناة الأجيال، بل تبدأ من ضمان أجور عادلة ومنتظمة، وصرف المستحقات المتأخرة، وتوفير بيئة عمل مستقرة، ووضع سياسات تحمي العاملين في التعليم من السقوط في براثن الفقر.
كما تتطلب الأزمة التعامل الجاد مع مطالب المعلمين، عبر حوار شفاف مع ممثليهم، ووضع جدول زمني معلن لمعالجة الأجور والمتأخرات، بدلاً من ترك الأزمة تتفاقم حتى تتحول إلى إضرابات متكررة وتعطل إضافي للدراسة. وفي المقابل، فإن حماية مستقبل الطلاب تستلزم معالجة جذور الأزمة، لا الاكتفاء بمطالبة المعلمين بالعودة إلى الفصول من دون ضمانات واقعية لتحسين أوضاعهم المعيشية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.