كرامة المعلم من كرامة الوطن..

 تيسير المبارك

 

من المآسي التي أوجدتها حرب الخامس عشر من أبريل، أن يصل الشعب السوداني لهذه المرحلة من الضياع والتشتت، فئة المعلمين تعيش أوضاعا مأساوية، إن أخطر ما تكشفه قصة الأستاذ علي حسين ليس انتقاله من مكتب إداري إلى كمائن الطوب، بل اتساع الهوة بين قيمة المعلم الحقيقية وما يحصل عليه من تقدير مادي واجتماعي. فالمعلم الذي يقف أمام الطلاب ليعلمهم القراءة والكتابة، ويغرس فيهم قيم المسؤولية والمواطنة، يحتاج بدوره إلى دولة تحترم عمله، وتضمن له حياة كريمة، ولا تتركه وحيداً في مواجهة الغلاء وانهيار القدرة الشرائية.

وعندما يصبح الراتب عاجزاً عن إطعام أطفال المعلم، فإن الأزمة لا تعود شأناً خاصاً به، بل تتحول إلى إنذار بشأن مستقبل التعليم كله. فالمعلم المنهك تحت ضغط الحاجة، والقلق على أسرته، لا يمكن أن يُطلب منه وحده تحمل نتائج انهيار اقتصادي ومؤسسي يتجاوز قدرته الفردية. ولا ينبغي أن تتحول صورة الأستاذ علي حسين إلى مجرد مشهد عابر يثير التعاطف على منصات التواصل الاجتماعي لساعات، ثم يُنسى. المطلوب أن تصبح مدخلاً لمساءلة السياسات التي أوصلت المعلمين إلى هذا الواقع، ولتجديد المطالبة بحقوقهم في الأجر العادل والحماية الاجتماعية والاستقرار المهني.

قضية المعلمين تحتاج إلى موقف واضح من الجهات المسؤولة، وإلى تحرك من النقابات والأجسام المهنية والقوى المدنية والمجتمع، من أجل وضع حد للأزمة التي تهدد المعلم وأسرته ومستقبل الأجيال.

وتتطلب المعالجة العاجلة ضمان صرف المرتبات بانتظام، ومراجعة الأجور بما يتناسب مع تكاليف المعيشة، وتسوية المتأخرات، والاستجابة لمطالب المعلمين عبر مفاوضات جادة، مع توفير الحماية الاجتماعية للمعلمين الذين دفعتهم الظروف إلى حافة العوز.

أما استمرار تجاهل هذه المطالب، فلن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة التعليم، وزيادة الاحتقان داخل المؤسسات التربوية، وتوسيع الفجوة بين الخطاب الرسمي الذي يمجد المعلم والواقع الذي يتركه يصارع الفقر. قصة الأستاذ علي حسين ليست إدانة للعمل في كمائن الطوب، بل إدانة لواقع يجعل المعلم مضطراً إلى البحث عن رزقه بعيداً عن مهنته، لأن راتبه لا يكفي لإعالة أطفاله.

فحين يخرج المعلم من مكتبه بحثاً عن لقمة العيش، لا ينبغي أن يكون السؤال عن سبب مغادرته لمهنته، بل عن الأسباب التي جعلت راتبه عاجزاً عن صون كرامته. وإلى أن تُستعاد للمعلم حقوقه، وتُعالج أزمة المرتبات بجدية، ستظل صورة علي حسين تذكيراً مؤلماً بأن أزمة السودان لا تُقاس فقط بما دمرته الحرب من مبانٍ ومؤسسات، بل أيضاً بما أصاب الإنسان الذي يحمل على عاتقه مهمة بناء المستقبل. فإلى متى يستمر هذا التجاهل؟ ومتى يصبح أجر المعلم كافياً ليعيش بكرامة، بدلاً من أن يضطر إلى العمل الإضافي حتى يتمكن أطفاله من البقاء على قيد الحياة؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.