قتل المعدنين: خيانة وطنية تستوجب الرد الشعبي لا سيادة ولا كرامة في ظل حكومة تتواطأ ضد الوطن

أسماء محمد جمعة

 

إن ما قامت به مصر من انتهاكات صارخة، وصلت إلى حد القصف المتكرر للمواطنين السودانيين داخل بلدهم وقتلهم بالمئات، لا يمكن النظر إليه باعتباره حوادث محدودة، بل ينبغي وضعه في سياق أوسع، يتمثل في تخلي الدولة السودانية عن مسؤوليتها في حماية مواطنيها وأراضيها وصون سيادتها، في ظل حرصها على البقاء في السلطة بأي ثمن، حتى ولو بالتفريط في سيادة البلاد وكرامة شعبها.

وفي الحقيقة، لا يمكن وصف الحكومة في هذه الحالة إلا بأنها حكومة خائنة وعميلة، خانت الوطن وشعبه من أجل مصلحة دولة أخرى ومصلحة افراداها.

ولا يمكن فصل هذه الانتهاكات عن تاريخ العلاقة بين البلدين، ولا عن رفض مصر قيام حكومات مدنية سودانية تتبنى استقلال القرار الوطني وتنمية السودان.

فقد وقفت مصر بحسب هذا المسار التاريخي، ضد كل الحكومات المدنية التي جاء بها الشعب، وساندت الانقلابات العسكرية وقمع الثورات.

وحين انفجرت ثورة ديسمبر، لم تخفِ مصر خوفها وقلقها من قيام حكومة مدنية تسعى إلى استقلال القرار السوداني والتحرر من هيمنتها، وفتح الملفات المسكوت عنها في العلاقة بين البلدين، خاصة و أن نفوذها في السودان توسع حتى بلغ درجة خنقه.

كما لا يمكن فصل هذه الانتهاكات عن حقيقة أن مصر وجدت في قادة الجيش السوداني، من عبود إلى البرهان، حلفاء أسهموا في إبقاء العلاقة بين البلدين أسيرة المصالح المصرية والشخصية، بدلا من بنائها على الندية واحترام السيادة واستقلال القرار الوطني.

فقد ضحى هؤلاء بسيادة السودان من أجل مصر، ووجهوا إليه ضربات موجعة نتجت عنها خسائر قومية لا يمكن تعويضها، بينما حققت مصر مصالح كثيرة ونفوذا أوسع على حسابه.

وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة الضربات المتكررة التي استهدفت المعدنين السودانيين اليوم إلا في إطار هذه العلاقة التي منحت مصر الجرأة على التحرك داخل الأراضي السودانية، وهي مطمئنة إلى أنها لن تواجه ردا رادعا.

فهي تعلم أن البرهان ماضٍ على درب من سبقوه من قادة الجيش، ولن يهتم بضياع جزءا عزيزا آخر من الأراضي السودانية المليئة بالمعادن النفيسة، مثلما ضحى البشير قبله بحلايب وشلاتين، ومثلما سمح عبود بإغراق منطقة كانت كنزا تاريخيا لا يقدر بثمن.

فالمهم بالنسبة إلى مصر أن تكسب هي، أما خيانة قادة الجيش وبقية الحكومة لوطنهم وشعبهم والقسم الذي أدوه، فهذه مسؤوليته تقع على عاتق الشعب السوداني الذي يجب أن يحاسبهم ويوقف عبثهم بسيادته وكرامته.

وهنا تأتي مسؤولية الحكومات السودانية الكاملة عن تمكين مصر من توسيع نفوذها على حساب السودان.

فلا يمكن لوم أي دولة على سعيها لتحقيق مصالحها، مهما تعارض ذلك مع الأخلاق والقيم والإنسانية وحسن الجوار والأخوة المدعاة، إذا وجدت أمامها حكومات تفرط في مصالح شعوبها، وتضع بقاءها في السلطة فوق حماية الوطن ومواطنيه.

فحين تعرض الحكومات سيادة الوطن وكرامة شعبها في مزادات العمالة والخيانة، فإنها تجد من يغتنم الفرصة ويستخف بأرواح الشعب وقيمته ومكانته وتاريخه، مهما كان عريقا وناصعا.

ولعمري، ليس هناك سلاح أشد إيلاما يمكن أن تهان وتذل به الشعوب من هذا الذي يحدث مع السودان اليوم.

لذلك، يجب أن يقف الشعب السوداني، بمختلف انتماءاته، ضد هذا النوع من الحكومات، وأن يتحرك لحماية السودان وإزاحة الحكومة القائمة وإقامة حكومة حرة تستمد شرعيتها من الشعب وحده، وتجعل حماية المواطنين وصون السيادة الوطنية فوق مصالح السلطة وحسابات بقائها.

السودان يحتاج إلى حكومة قادرة على اتخاذ قراراتها بحرية وشجاعة، ولا تملك دول أخرى ملفات سرية مخجلة لتهديدها بها؛ حكومة لديها الإرادة لفتح الملفات المسكوت عنها في علاقة السودان بمصر، كما دعا حمدوك.

ومهما اختلف معه البعض، فقد طرح ضرورة فتح هذه الملفات بشجاعة ومواجهة الحقائق، وهو ما تخشاه مصر، التي ترى في استقلال القرار السوداني تهديدا لنفوذها، فتسعى إلى دعم كل ما يساعد على بقاء السودان تحت حكم البرهان والإسلاميين أو حتى تبديلهم بمثلهم.

ورسالتنا إلى الشعب السوداني أن لا يترك غضبه من الاستفزازات المصرية المتكررة يشغله عن محاسبة المسؤول الحقيقي عن التفريط في سيادته وكرامته والتخلي عن حماية أرواح مواطنيه، مقابل شراكة مشبوهة لا تخدم إلا عصابة تعبث بالبلاد تحت حمايته.

فالرد الحقيقي على مصر لا يكون بالغضب والاحتجاج فقط، بل باستعادة القرار الوطني وإقامة حكومة حرة تنتمي إلى الشعب ، رغم أنف مصر.

وهذا تحدٍ يجب أن يخوضه الشعب السوداني كله، دون تخاذل، مع ضرورة وقف الحروب الداخلية والصراعات وتوجيه الطاقات نحو هذا الهدف.

ولا يجب الانشغال بما يقوله البرهان عن خطتة للسلام أو برسالته إلى الرئيس الأمريكي، قبل أن يجف دم المعدنين الذين قتلوا؛ فهذه ليست سوى محاولة لصرف انتباه الناس عن جريمة قتلهم وتحويل أنظارهم إلى قضية أخرى.

وهي، بحسب ما أراه، نصيحة مصرية تعتبر امتداد لمحاولاتها التأثير في القرار السوداني، كما حدث عند الانقلاب على الحكومة الانتقالية، ثم اندلاع الحرب بعد فشل الانقلاب في تحقيق أهدافه.

والحقيقة أن الانقلاب الذي تسبب في الحرب ما كان له أن يحدث لو كان القرار السوداني مستقلا، أو كان الجيش حرا ومهنيا وملتزما بواجبه الوطني.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.