‏تجرد الإسلامويين من الإنسانية.. حالة طارئة أم متجذرة فيهم؟!‏

خالد أبوأحمد

الأوضاع الراهنة في السودان وما يعيشه الشعب السوداني من تشرد ونزوح ومرض ‏ومجاعات هنا وهناك وكبت أمني وتنكيل وامتلاء السجون والمعتقلات ليس بالمجرمين ‏واللصوص الذين نهبوا موارد البلاد بل بأبناء الشعب الشرفاء تدفعنا إلى طرح سؤال قديم جديد ‏عن طبيعة هذه الجماعة التي تتحكم في مصير البلاد منذ عقود، وعن الأساس الذي تقوم عليه ‏علاقتها بالإنسان السوداني.‏
آخر حادثة دموية راح ضحيتها حوالي 300 من السودانيين في شمال البلاد على أيدي القوات ‏الجوية المصرية أدمت القلوب وهزت المشاعر. كان العالم كله يتحدث بأسى شديد عن الشباب ‏الذين رحلوا مبكراً وعن أعمارهم وطموحاتهم التي انطفأت في لحظة واحدة، وامتلأت ‏الصحف والمنصات بالمقالات التي عبرت عن جوهر المأساة وواست الأسر المكلومة وحاولت ‏تخفيف الألم عنها. وفي هذا الوقت دخل الإسلامويون ومن يؤيدهم ومن يرتزقون منهم في ‏صمت مطبق. لم نسمع منهم كلمة عزاء واحدة ولم نقرأ لهم سطراً واحداً عن الضحايا، وكأن ‏هؤلاء الشباب لم يكونوا سودانيين ولم تكن لهم أمهات ينتظرن عودتهم. والصمت في مثل هذه ‏اللحظات موقف كامل يكشف ما في النفوس أكثر مما يكشفه الكلام، فالإنسان يعرف بما يحزنه ‏كما يعرف بما يفرحه. هكذا كانوا كالخشب المسندة وقلوبهم أشد قسوة من الحجارة.‏
إن ما يجري في السودان يحزن الأعداء قبل الأصدقاء. فلأول مرة في التاريخ الحديث تجتمع ‏كل المآسي على السودانيين بهذا الشكل، الحرب والجوع والمرض والتشرد والقمع في وقت ‏واحد، بينما قادة الإسلامويين والجيش مشغولون بتجارتهم وأسفارهم واستثماراتهم، وكأن ما ‏يحدث يجري في بلد آخر لا تربطهم به صلة.‏
هذا الصمت يعيدنا إلى السؤال الذي بدأنا به. هل تجرد الإسلامويين من الإنسانية حالة طارئة ‏فرضتها ظروف الحرب أم أنه طبع قديم فيهم؟ من عاش في السودان منذ يونيو 1989 يعرف ‏الإجابة جيداً. والحرب الحالية كشفت هذه القسوة أمام من كان لا يزال يحسن الظن بهم ويرى ‏في ممارساتهم أخطاء أفراد، فإذا بها تظهر سلوكاً منتظماً يتكرر بالطريقة نفسها كلما وجدت ‏الجماعة نفسها أمام خيار بين مصلحتها وحياة الناس.‏
ويكفي أن ننظر إلى حرب الجنوب التي أفضت في النهاية إلى الانفصال وخسارة ثلث الوطن ‏دون أن يعتذر أحد منهم، وفي دارفور منذ عام 2003 قدرت الأمم المتحدة عدد القتلى بنحو ‏‏300 ألف إنسان وشرد الملايين، وهو تقدير صدر عام 2008 ولم يحدث بعد ذلك رغم ‏استمرار الحرب أعواماً طويلة، ما يعني أن العدد الحقيقي أكبر بكثير. وأحرقت القرى ووصل ‏الأمر إلى أن صدرت مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بحق رأس النظام بتهم من ‏بينها الإبادة الجماعية. والمؤلم في هذه الحروب أن الجماعة أضفت عليها غطاء دينياً، والعنف ‏الذي يلبس ثوب القداسة يعفي صاحبه من الشعور بالذنب، فيقتل وهو يظن أنه يتقرب إلى الله، ‏ولهذا لم نر منهم ندماً ولا مراجعة رغم كل ما حدث، لأن الدولة عندهم غنيمة والمواطن عقبة ‏يجب إزاحتها أو أداة يجب تطويعها.‏
ففي سبتمبر 2013 خرج الشباب احتجاجاً على الغلاء فقتل منهم ما لا يقل عن 200 بحسب ‏تقديرات منظمات حقوقية، وأصيب أغلبهم بالرصاص في الرأس والصدر، وهي إصابات تدل ‏على نية القتل وليس تفريق المحتجين. وفي ثورة ديسمبر المجيدة 2018 وما تلاها سقط مئات ‏الشهداء من الشباب في الشوارع وهم يهتفون بالحرية والسلام والعدالة، أما المرأة السودانية ‏فكان لها نصيب خاص من التنكيل عبر قانون النظام العام الذي جلدت بموجبه آلاف النساء ‏بسبب الزي أو العمل أو الخروج من البيت، وقد وثقت جانباً من هذه الانتهاكات في كتاب ‏صدر لي هذا العام. وإذا نظرنا إلى هذه الوقائع مجتمعة نجد أن الضحايا تنوعوا بين الجنوب ‏ودارفور والخرطوم والمدن الأخرى، وبين الرجال والنساء والطلاب والعمال، بينما ظل ‏الأسلوب واحداً لا يتغير.‏
كل هذه الوقائع تقول إن المسألة أعمق من سلوك أفراد ومن تجاوزات عادية، فالفكر الذي ‏تربى عليه هؤلاء يضع الجماعة فوق الوطن والتنظيم فوق الإنسان، ومنذ أن قسّم سيد قطب ‏المجتمعات إلى إسلام وجاهلية صار الآخر في نظرهم خارج دائرة الرحمة ما دام لا ينتمي ‏إليهم. ومن يتربى على هذا التقسيم يفقد تدريجياً القدرة على رؤية الإنسان في خصمه، فيصبح ‏المختلف معه رقماً أو عدواً أو عقبة في طريق المشروع. والمواطن الذي لا يخدم مشروع ‏‏(التمكين) لا قيمة لحياته عندهم، وموته لا يستحق كلمة عزاء، ولهذا نجد حزنهم انتقائياً، فهم ‏يقيمون سرادقات العزاء لقتلاهم ويملؤون المنصات بالبكاء عليهم ويرفعونهم إلى مقام ‏الشهداء، بينما يمر موت المئات من عامة السودانيين أمامهم دون أن يحرك فيهم شيئاً إلا إذا ‏وجدوا فيه فائدة سياسية يستثمرونها. وفي حادثة الشمال الأخيرة لم تكن هناك فائدة يجنونها من ‏الحديث فاختاروا الصمت، بل إن بعضهم دافع عن القاتل.‏
أما رفض الإسلامويين أن يعيش السودان في سلام فقد ظهر بوضوح في هذه الحرب. ففي مايو ‏‏2023 توصل الطرفان في جدة إلى إعلان لحماية المدنيين وكان الأمل أن يكون خطوة أولى ‏نحو وقف الحرب، فشنت الأقلام والمنصات الإسلاموية حملة على كل من يدعو إلى التفاوض، ‏وفي عام 2024 غاب الجيش عن محادثات جنيف وتوالت بعدها المبادرات الإقليمية والدولية ‏للهدنة الإنسانية فقوبلت كلها بالرفض أو التسويف. واعتبر الإسلامويون كل من يطالب بالسلام ‏خائناً أو عميلاً وأطلقوا على الحرب اسم (معركة الكرامة) ودفعوا بكتائبهم إلى ميادين القتال، ‏لأنهم يعرفون أن السلام يعني عودة الحياة المدنية ومحاسبتهم على ما ارتكبوه، وأن الحرب ‏وحدها تبقيهم قريبين من السلطة. فالحرب عندهم وسيلة للبقاء ومصدر للنفوذ والمال، ومن ‏يربح من استمرار الحرب لن يسعى إلى إيقافها مهما كان عدد الضحايا. وفي هذه الأثناء تجاوز ‏عدد النازحين واللاجئين 10 ملايين سوداني يعيش كثير منهم في المخيمات بلا غذاء ولا ‏دواء، بينما تعيش أسر قادتهم في عواصم الخارج وتدار أموالهم واستثماراتهم بعيداً عن جحيم ‏الحرب التي أشعلوها ويدفع ثمنها البسطاء.‏
إن تجرد الإسلامويين من الإنسانية حالة متجذرة فيهم ولدت مع مشروعهم وكبرت معه، وقد ‏دفع الشعب السوداني ثمنها على مدى 37 عاماً من الدم والدموع والشتات. ولن يتعافى ‏السودان من جراحه ما لم يدرك أبناؤه هذه الحقيقة ويغلقوا الباب نهائياً أمام عودة هذه الجماعة ‏إلى حكم البلاد.‏

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.