الأوضاع الراهنة في السودان وما يعيشه الشعب السوداني من تشرد ونزوح ومرض ومجاعات هنا وهناك وكبت أمني وتنكيل وامتلاء السجون والمعتقلات ليس بالمجرمين واللصوص الذين نهبوا موارد البلاد بل بأبناء الشعب الشرفاء تدفعنا إلى طرح سؤال قديم جديد عن طبيعة هذه الجماعة التي تتحكم في مصير البلاد منذ عقود، وعن الأساس الذي تقوم عليه علاقتها بالإنسان السوداني.
آخر حادثة دموية راح ضحيتها حوالي 300 من السودانيين في شمال البلاد على أيدي القوات الجوية المصرية أدمت القلوب وهزت المشاعر. كان العالم كله يتحدث بأسى شديد عن الشباب الذين رحلوا مبكراً وعن أعمارهم وطموحاتهم التي انطفأت في لحظة واحدة، وامتلأت الصحف والمنصات بالمقالات التي عبرت عن جوهر المأساة وواست الأسر المكلومة وحاولت تخفيف الألم عنها. وفي هذا الوقت دخل الإسلامويون ومن يؤيدهم ومن يرتزقون منهم في صمت مطبق. لم نسمع منهم كلمة عزاء واحدة ولم نقرأ لهم سطراً واحداً عن الضحايا، وكأن هؤلاء الشباب لم يكونوا سودانيين ولم تكن لهم أمهات ينتظرن عودتهم. والصمت في مثل هذه اللحظات موقف كامل يكشف ما في النفوس أكثر مما يكشفه الكلام، فالإنسان يعرف بما يحزنه كما يعرف بما يفرحه. هكذا كانوا كالخشب المسندة وقلوبهم أشد قسوة من الحجارة.
إن ما يجري في السودان يحزن الأعداء قبل الأصدقاء. فلأول مرة في التاريخ الحديث تجتمع كل المآسي على السودانيين بهذا الشكل، الحرب والجوع والمرض والتشرد والقمع في وقت واحد، بينما قادة الإسلامويين والجيش مشغولون بتجارتهم وأسفارهم واستثماراتهم، وكأن ما يحدث يجري في بلد آخر لا تربطهم به صلة.
هذا الصمت يعيدنا إلى السؤال الذي بدأنا به. هل تجرد الإسلامويين من الإنسانية حالة طارئة فرضتها ظروف الحرب أم أنه طبع قديم فيهم؟ من عاش في السودان منذ يونيو 1989 يعرف الإجابة جيداً. والحرب الحالية كشفت هذه القسوة أمام من كان لا يزال يحسن الظن بهم ويرى في ممارساتهم أخطاء أفراد، فإذا بها تظهر سلوكاً منتظماً يتكرر بالطريقة نفسها كلما وجدت الجماعة نفسها أمام خيار بين مصلحتها وحياة الناس.
ويكفي أن ننظر إلى حرب الجنوب التي أفضت في النهاية إلى الانفصال وخسارة ثلث الوطن دون أن يعتذر أحد منهم، وفي دارفور منذ عام 2003 قدرت الأمم المتحدة عدد القتلى بنحو 300 ألف إنسان وشرد الملايين، وهو تقدير صدر عام 2008 ولم يحدث بعد ذلك رغم استمرار الحرب أعواماً طويلة، ما يعني أن العدد الحقيقي أكبر بكثير. وأحرقت القرى ووصل الأمر إلى أن صدرت مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بحق رأس النظام بتهم من بينها الإبادة الجماعية. والمؤلم في هذه الحروب أن الجماعة أضفت عليها غطاء دينياً، والعنف الذي يلبس ثوب القداسة يعفي صاحبه من الشعور بالذنب، فيقتل وهو يظن أنه يتقرب إلى الله، ولهذا لم نر منهم ندماً ولا مراجعة رغم كل ما حدث، لأن الدولة عندهم غنيمة والمواطن عقبة يجب إزاحتها أو أداة يجب تطويعها.
ففي سبتمبر 2013 خرج الشباب احتجاجاً على الغلاء فقتل منهم ما لا يقل عن 200 بحسب تقديرات منظمات حقوقية، وأصيب أغلبهم بالرصاص في الرأس والصدر، وهي إصابات تدل على نية القتل وليس تفريق المحتجين. وفي ثورة ديسمبر المجيدة 2018 وما تلاها سقط مئات الشهداء من الشباب في الشوارع وهم يهتفون بالحرية والسلام والعدالة، أما المرأة السودانية فكان لها نصيب خاص من التنكيل عبر قانون النظام العام الذي جلدت بموجبه آلاف النساء بسبب الزي أو العمل أو الخروج من البيت، وقد وثقت جانباً من هذه الانتهاكات في كتاب صدر لي هذا العام. وإذا نظرنا إلى هذه الوقائع مجتمعة نجد أن الضحايا تنوعوا بين الجنوب ودارفور والخرطوم والمدن الأخرى، وبين الرجال والنساء والطلاب والعمال، بينما ظل الأسلوب واحداً لا يتغير.
كل هذه الوقائع تقول إن المسألة أعمق من سلوك أفراد ومن تجاوزات عادية، فالفكر الذي تربى عليه هؤلاء يضع الجماعة فوق الوطن والتنظيم فوق الإنسان، ومنذ أن قسّم سيد قطب المجتمعات إلى إسلام وجاهلية صار الآخر في نظرهم خارج دائرة الرحمة ما دام لا ينتمي إليهم. ومن يتربى على هذا التقسيم يفقد تدريجياً القدرة على رؤية الإنسان في خصمه، فيصبح المختلف معه رقماً أو عدواً أو عقبة في طريق المشروع. والمواطن الذي لا يخدم مشروع (التمكين) لا قيمة لحياته عندهم، وموته لا يستحق كلمة عزاء، ولهذا نجد حزنهم انتقائياً، فهم يقيمون سرادقات العزاء لقتلاهم ويملؤون المنصات بالبكاء عليهم ويرفعونهم إلى مقام الشهداء، بينما يمر موت المئات من عامة السودانيين أمامهم دون أن يحرك فيهم شيئاً إلا إذا وجدوا فيه فائدة سياسية يستثمرونها. وفي حادثة الشمال الأخيرة لم تكن هناك فائدة يجنونها من الحديث فاختاروا الصمت، بل إن بعضهم دافع عن القاتل.
أما رفض الإسلامويين أن يعيش السودان في سلام فقد ظهر بوضوح في هذه الحرب. ففي مايو 2023 توصل الطرفان في جدة إلى إعلان لحماية المدنيين وكان الأمل أن يكون خطوة أولى نحو وقف الحرب، فشنت الأقلام والمنصات الإسلاموية حملة على كل من يدعو إلى التفاوض، وفي عام 2024 غاب الجيش عن محادثات جنيف وتوالت بعدها المبادرات الإقليمية والدولية للهدنة الإنسانية فقوبلت كلها بالرفض أو التسويف. واعتبر الإسلامويون كل من يطالب بالسلام خائناً أو عميلاً وأطلقوا على الحرب اسم (معركة الكرامة) ودفعوا بكتائبهم إلى ميادين القتال، لأنهم يعرفون أن السلام يعني عودة الحياة المدنية ومحاسبتهم على ما ارتكبوه، وأن الحرب وحدها تبقيهم قريبين من السلطة. فالحرب عندهم وسيلة للبقاء ومصدر للنفوذ والمال، ومن يربح من استمرار الحرب لن يسعى إلى إيقافها مهما كان عدد الضحايا. وفي هذه الأثناء تجاوز عدد النازحين واللاجئين 10 ملايين سوداني يعيش كثير منهم في المخيمات بلا غذاء ولا دواء، بينما تعيش أسر قادتهم في عواصم الخارج وتدار أموالهم واستثماراتهم بعيداً عن جحيم الحرب التي أشعلوها ويدفع ثمنها البسطاء.
إن تجرد الإسلامويين من الإنسانية حالة متجذرة فيهم ولدت مع مشروعهم وكبرت معه، وقد دفع الشعب السوداني ثمنها على مدى 37 عاماً من الدم والدموع والشتات. ولن يتعافى السودان من جراحه ما لم يدرك أبناؤه هذه الحقيقة ويغلقوا الباب نهائياً أمام عودة هذه الجماعة إلى حكم البلاد.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.