السلام في السودان رهينة نفوذ الحركة الإسلامية على البرهان

بروفيسور عبد المنعم همت

 

لا يمكن فهم موقف عبد الفتاح البرهان من السلام في السودان من دون النظر إلى نفوذ الحركة الإسلامية في محيط المؤسسة العسكرية وعلاقة هذا النفوذ بالقرارات التي تتخذها القيادة. فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 أعادت ترتيب التحالفات السياسية والعسكرية وفتحت المجال أمام قوى مرتبطة بالنظام السابق لاستعادة حضورها وتأثيرها.

في تقديري، القضية الأساسية هي مدى قدرة البرهان على اتخاذ قرار ينهي الحرب، حتى إذا تعارض ذلك مع مصالح الحركة الإسلامية وحسابات القوى المتحالفة معها. فالرجل يتولى قيادة الجيش ويتحمل المسؤولية السياسية عن قراراته لكن فهم خياراته يتطلب أيضاً معرفة القوى التي يستند إليها والمصالح التي تجمعه بها وحدود تأثيرها على موقفه من التسوية.

ثلاثون عاماً من حكم عمر البشير لم تترك الحركة الإسلامية خارج مؤسسات الدولة بعد سقوط النظام في أبريل 2019. فقد امتلكت شبكة من العلاقات داخل الأجهزة الأمنية والاقتصاد والإدارة وظلت آثارها حاضرة في الصراع على مستقبل السودان. ومن هنا تأتي أهمية البحث في دور الإسلاميين خلال الحرب الحالية خاصة مع الاتهامات المتعلقة بعودة عناصر من النظام السابق إلى مواقع التأثير.

خلال هذه الحرب التي وصفها البرهان بالعبثية ، احتاج الجيش إلى قوى مساندة في الميدان وظهرت تشكيلات وتيارات متعددة تقاتل إلى جانبه. وقد أتاح هذا التحالف لبعض القوى المرتبطة بالحركة الإسلامية فرصة لتوسيع حضورها. والسؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كان هذا التعاون محصوراً في متطلبات القتال أم أنه يتجاوزها إلى التأثير في القرار السياسي وتحديد مستقبل السلطة.

لا يمكن تجاهل تأثير الحركة الاسلامية في خيارات البرهان. المطلوب هو فحص المواقف والقرارات والنظر في طبيعة القوى المشاركة في الحرب ومدى حضور عناصر النظام السابق في مؤسسات الدولة وموقف القيادة العسكرية من أي تسوية تفضي إلى انتقال مدني.

هذه المسألة تتجاوز الخلاف حول الولاءات الشخصية. فالحرب أوجدت مصالح قد تتضرر من وقف القتال وقوى قد ترى في التسوية السياسية نهاية لنفوذها أو بداية للمساءلة عن دورها في الأزمة. وإذا كانت بعض مراكز النفوذ الإسلامي تنظر إلى الحرب باعتبارها فرصة لاستعادة السلطة فإن ذلك يثير سؤالاً جوهرياً حول قدرة البرهان على الفصل بين متطلبات الدولة ومصالح حلفائه.

قد يرى أنصار القيادة العسكرية أن الأولوية الآن هي هزيمة الدعم السريع وأن الخلافات السياسية يمكن معالجتها بعد توقف القتال. لكن هذا الطرح يترك مشكلة أساسية من دون إجابة: من يضمن ألا تتحول نتائج الحرب إلى وسيلة لإعادة النظام السابق أو لإقامة سلطة عسكرية تستند إلى التنظيمات التي ساندتها؟

إن تأجيل هذه الأسئلة لا يساعد على بناء السلام. فالتسوية التي تنهي القتال من دون معالجة العلاقة بين الجيش والتنظيمات السياسية قد تترك أسباب الأزمة قائمة، وتسمح بإعادة إنتاجها في صورة جديدة. ولهذا فإن استقلال المؤسسة العسكرية عن الأحزاب والتنظيمات شرط أساسي لبناء دولة مستقرة.

ولا تعني مساءلة الحركة الإسلامية إعفاء البرهان من مسؤوليته، كما لا تعني تجاهل مسؤولية الدعم السريع عن الانتهاكات التي ارتكبها. لكل طرف دوره الذي ينبغي فحصه ومحاسبته وفق الوقائع والأدلة. غير أن وجود أكثر من طرف مسؤول عن الأزمة لا يلغي ضرورة البحث في نفوذ الإسلاميين ولا في أثر هذا النفوذ على فرص التسوية.

البرهان هو الذي يتولى القيادة وهو المسؤول عن القرارات التي تصدر باسمه. فإذا كان يريد إنهاء الحرب فعليه أن يوضح موقفه من عودة عناصر النظام السابق إلى السلطة وأن يقبل بمسار سياسي يتيح للمدنيين إدارة الدولة ويمنع أي تنظيم من استخدام الجيش لاستعادة نفوذه. أما الاكتفاء بإعلان الرغبة في السلام مع بقاء هذه المسائل معلقة فلن يبدد مخاوف السودانيين.

السلام المطلوب ليس اتفاقاً لتقاسم السلطة بين قادة الحرب وحلفائهم ولا ترتيباً يعيد القوى القديمة إلى مواقعها من دون مراجعة تجربتها. المطلوب وقف القتال وحماية المدنيين وإعادة بناء المؤسسات وإقامة حكم مدني يخضع للقانون مع إصلاح القطاعين العسكري والأمني على أسس مهنية ووطنية.

وهنا تتحدد مسؤولية البرهان بصورة واضحة. هل يستطيع قبول تسوية لا تضمن للحركة الإسلامية العودة إلى السلطة؟ وهل يقبل بإبعاد التنظيمات السياسية عن المؤسسة العسكرية حتى إذا ترتب على ذلك تغير في طبيعة التحالفات التي يعتمد عليها؟ الإجابة عن هذين السؤالين ستكشف الكثير عن حدود استقلال قراره.

لا يحتاج السودانيون إلى مزيد من الوعود فقد دفعوا ثمناً باهظاً لحرب دمرت المدن وشردت الملايين وأضعفت مؤسسات الدولة. ما يحتاجونه هو قرار جاد يضع إنهاء الحرب فوق حسابات السلطة ويمنع تحويل تضحياتهم إلى فرصة جديدة لإعادة إنتاج النظام السابق.

إن نفوذ الحركة الإسلامية في محيط البرهان يستحق الفحص السياسي الجاد، لكن المسؤولية النهائية عن خيارات القيادة تقع على البرهان نفسه. فلا يمكنه أن يحتج بتأثير حلفائه إذا عجز عن اتخاذ قرار السلام، ولا يمكنه مطالبة السودانيين بالثقة في مشروعه من دون خطوات عملية تؤكد استقلال المؤسسة العسكرية عن التنظيمات السياسية.

*السؤال الذي يظل قائماً هو: هل يملك البرهان الإرادة لاتخاذ قرار ينهي الحرب، حتى إذا كان ثمنه تقليص نفوذ الحركة الإسلامية؟* الإجابة لن تأتي من التصريحات، وإنما من قرارات تثبت أن مستقبل السودان أهم من مصالح التحالفات التي نشأت حول الحرب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.