من أجل الذهب، تُزهق الأرواح في شمالنا، وتُترك الجثث في الصحاري، ونُشرَّد في المنافي، وتُمارَس بحقنا أبشع الانتهاكات، بينما نقف عاجزين وننظر.
بأي ذنب يُقتل أبناء السودان؟
بأي ذنب يُتركون أيامًا تحت أشعة الشمس، بلا قبر ولا كفن ولا بيان؟
بأي ذنب يُقتل أبناء السودان في وضح النهار، ثم يواجهنا صمت الدولة كأنه قبر آخر، أكبر من قبورهم؟
نعم، صمت الدولة هو الذي ذبحنا مرة ثانية.
عندما قُتل سودانيون داخل أراضينا، لم نسمع صوت حكومتنا. لم نسمع وزارة الخارجية تعلن استدعاء سفير، ولم نسمع وزارة المعادن تدافع عن أبنائها، ولم نسمع مجلس السيادة يقول كلمة واحدة تشفي صدور الأمهات. كان الصمت سيد الموقف.
بل سمعنا أن أردول وكّل محاميًا لمواجهة نشطاء على منصات التواصل الاجتماعي، ولم نسمع عن موقف مشرّف يُسجَّل له في صفحات التاريخ دفاعًا عن أبناء الوطن الذين نالهم الظلم.
وهذا الصمت هو السؤال الكبير الذي يؤرق كل سوداني اليوم: هل هو عجز وضعف أمام المعتدي؟ أم أنه إذنٌ منه؟ أم أنه بتوجيه من جهة ما؟ أم أن هناك مآرب أخرى لا نعلمها؟
كل صباح نستيقظ على فضيحة جديدة لمسؤول جديد. مسؤول يبيع الذهب بالطن في الأسواق الإقليمية، وآخر يوقّع عقدًا سريًا لشركة أجنبية في بورتسودان، وثالث يصمت عن دماء أبناء وطنه مقابل أن يبقى على كرسيه يومًا إضافيًا.
لقد أصبح المواطن السوداني الأرخص في بورصة العالم؛ دمه رخيص، وذهبه غالٍ. روحه بلا ثمن، وثروات أرضه لا تُحصى.
من أجل الذهب، نُقتل في الداخل والخارج.
يا له من زمان! أهذا هو آخر الزمان حقًا؟
أصبح القاتل لا يدري لماذا قتل، والمقتول لا يدري فيمَ قُتل. وهذا هو حالنا اليوم.
الدولة التي يُفترض أن تحمي المواطن هي أول من تخلّى عنه. باعت موقعه، وباعت منجمه، وباعت دمه.
إن الدولة التي لا تستطيع حماية مواطنها خارج حدودها لن تستطيع حمايته داخل حدودها. وإن الدولة التي تصمت على قتل أبنائها في الخارج، ستصمت غدًا على قتلهم في الداخل، وقد فعلت.
نحن لا نطلب المستحيل، ولا نطالب بحرب مع أحد. نحن نطلب كلمة؛ كلمة واحدة تقول: هذا المواطن السوداني دمه غالٍ، وهذا المواطن السوداني له دولة تقف وراءه وتحميه وتدافع عن كرامته.
لكن حتى هذه الكلمة بخلت بها علينا دولتنا.
المواطن أكبر من الدولة؛ فالمواطن هو الذي يبقى، والدولة هي التي تتغير. الحكومات تتبدل، والكراسي تتغير، والوزراء يمضون إلى مزبلة التاريخ، لكن هذا الشعب باقٍ.
هذا المواطن الذي يموت من أجل الذهب أشرف من كل مسؤول يبيع الذهب ولا يصون دماء أبناء وطنه.
وهذا المواطن الذي يُشرَّد ويُنكَّل به أكرم من كل مسؤول يصمت عن التنكيل به.
يا دولتنا، كفى صمتًا! لم يعد صمتك حكمة، بل أصبح مدعاةً للتساؤل عن المسؤولية والمحاسبة. لم يعد مقبولًا أن يُختبأ خلف الدبلوماسية بينما تُراق دماء أبناء الوطن، ولم يعد الصمت موقفًا يمكن تبريره أمام أمهات الضحايا.
من أجل الذهب تُزهق الأرواح، نعم. لكن من أجل الكرامة، يجب أن تستيقظ الضمائر، وأن تتحرك الدولة، وأن يُحاسَب كل من يثبت تورطه في إهدار دماء السودانيين أو التفريط في حقوقهم.
ولن نغفر، ولن ننسى، ولو بعد حين.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.