تتجدد الأسئلة الحارقة مع كل منعطف جديد في المشهد السوداني المعقد، لعل أبرزها وأكثرها تعقيداً: أين يقف الجيش حقاً من عبد الفتاح البرهان؟ وما طبيعة العلاقة الملتبسة التي تربطه بتنظيم الحركة الإسلامية (الإخوان)؟ وهل يخدم دعم البرهان، المحاصر إقليمياً ودولياً، مصالح هذا التنظيم أم أنه يدفع به نحو محرقة سياسية جديدة؟
إن الغوص في تفاصيل هذه المعادلة المتشابكة يكشف عن تصدعات عميقة ومخاوف متبادلة، تسقط بالضرورة الصورة النمطية لـ “الجبهة المتجانسة” التي يحاول البعض ترويجها في خضم حرب استنزفت الأخضر واليابس. من الخطأ بمكان اختزال القوات المسلحة السودانية في شخص قائدها. فالتواصل المستمر والتقارير الموثوقة تؤكد يوماً بعد يوم أن فكرة انفراد البرهان بالسلطة والتربع على عرش الرئاسة لا تحظى بإجماع، بل ولا حتى بتأييد حقيقي داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
إن القيادات العسكرية الوازنة داخل المجلس والميدان – أمثال الفريق أول ركن شمس الدين كباشي، والفريق أول ركن ياسر العطا، والفريق إبراهيم جابر – تنظر بريبة وقلق بالغين إلى مساعي الهيمنة الفردية التي تعطل أي أفق للحل وتزيد من عزلة المؤسسة العسكرية. فالجيش، ككيان وطني تاريخي، يدفع فاتورة باهظة جراء تحويل عقيدته القتالية إلى أدوات لحماية طموحات سياسية ضيقة. هذا التململ الخفي والصامت داخل المؤسسة العسكرية يعكس انفضاض السحر تدريجياً عن البرهان، ويؤكد أن رهان الرجل على البقاء عبر الإمساك بكل خيوط السلطة يواجه معارضة هيكلية من داخل بيته الداخلي.
على الجانب الآخر، تبدو علاقة الحركة الإسلامية (الذراع السياسية للإخوان) بالبرهان محكومة ببراغماتية قاسية ومصلحية مؤقتة لا بانسجام استراتيجي حقيقي. فالتنظيم الذي اعتاد على المناورة والتمكين طويل الأمد، يرى اليوم أن طموحات البرهان الشخصية باتت تتجاوز كل التوافقات والتفاهمات السابقة.
فكيف ينظر الإخوان إلى قائد محاصر دولياً وإقليمياً؟ بالتأكيد، لا ترى قيادات التنظيم مصلحة استراتيجية في الارتباط العضوي الأعمى بشخص بات عبئاً دبلوماسياً وسياسياً يفاقم من عزلة السودان ويجلب مزيداً من العقوبات والضغوط الخارجية. غير أن الحركة الإسلامية تجد نفسها – من منظور تكتيكي بحت – مجبرة على الاستفادة من حالة السيولة السياسية والتردي المعيشي الحاصل؛ فتستغل الأزمات لتجييش الشارع، وإعادة تدوير نفوذها، وحماية مصالح شبكاتها الاقتصادية والأمنية المتجذرة. إنهم لا يدعمون البرهان حباً فيه أو إيماناً بقيادته، بل يرونه “ترساً مؤقتاً” يمكن استخدامه لصد خطر التغيير الجذري، ريثما تتبلور تسوية أخرى تضمن بقاءهم كلاعب رئيسي في المعادلة السودانية.
إن محاصرة البرهان دولياً وإقليمياً لم تعد سراً؛ فخطاباته الأخيرة والموجهة للإدارة الأمريكية وغيرها من العواصم الفاعلة، لم تكن سوى محاولات مستميتة للهروب من سياط الضغوط عبر المناورة والمماطلة وإجهاض مبادرات السلام.
لكن هذا النهج يضع الحلفاء المفترضين أمام مأزق حقيقي؛ فالإخوان يدركون أن الرهان على قائد مرفوض خارجياً يعني الانتحار الجماعي في بيئة إقليمية ودولية لم تعد تتقبل وجودهم أو تهاونهم في عرقلة التحول الديمقراطي. وفي المقابل، يدرك العسكريون المعارضون لنهج البرهان أن الاستمرار في هذا المسار يقود البلاد حتماً إلى التقسيم أو التحول إلى بيئة طاردة وخصبة للميليشيات والإرهاب.
باختصار، لا يمكن الجزم بأن الإخوان أو الجيش يدعمون البرهان دعماً مطلقاً؛ بل هو “دعم مشروط بالبقاء والمصلحة”، وكل طرف يحسب خطواته بدقة على حافة حفرة من الانهيار الشامل. البرهان يراهن بكل استماتة على كرسيه متجاهلاً الكارثة الإنسانية والسياسية التي تحيط بالبلاد، بينما يتحين الحلفاء الفرصة والانقضاض. إن هذا التشابك المعقد لا يعدو كونه رقصة على حافة الهاوية، ولن يُنقذ السودان من مصيره المجهول سوى تفكيك هذه الشبكة من الحسابات الشخصية والضيق الحزبي، لصالح وطن يستحق حياة أفضل بعيداً عن أوهام السلطة وكوابيسها الممتدة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.