كابوس السلطة وأوهام الانفراد: محمد الفكي يكشف تفكك الجبهة الداعمة للبرهان ويحذر من مصير مجهول للسودان

 تقرير: عين الحقيقة

 

في تطور سياسي لافت يعكس عمق الصدعات داخل معسكر السلطة في الخرطوم، كشف عضو مجلس السيادة الانتقالي السابق، محمد الفكي سليمان، عن تفكك متسارع وملموس في الجبهة الداعمة لقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان. وأكد الفكي، في تصريحات صحفية نقلها موقع “الراكوبة”، أنّ مساعي البرهان وأحلامه المنفردة بالوصول إلى كرسي الرئاسة تحولت إلى عامل رئيسي في تحويل حياة ملايين السودانيين إلى “كوابيس ممتدة”، فضلاً عن كونها تهديداً وجودياً يضع وحدة البلاد ومستقبلها على المحك، ويحولها إلى بيئة خصبة تنشط فيها شبكات الإرهاب والميليشيات المسلحة.

انقسامات عسكرية وحسابات إسلامية معقدة

وأوضح الفكي، مستنداً إلى شبكة معلومات موثوقة وخيوط تواصل مستمرة، أنّ حلم البرهان بالانفراد بالسلطة والوصول إلى سدة الرئاسة يفتقر تماماً إلى أي حاضنة أو دعم حقيقي، سواء داخل المنظومة العسكرية نفسها أو في صفوف حلفائه التقليديين من تنظيم الحركة الإسلامية، التي تُمثل الذراع السياسية لجماعة الإخوان. وفي هذا السياق، لفت الفكي الانتباه إلى وجود معارضة واضحة وصريحة لهذا التوجه من قِبل القيادات العسكرية الوازنة داخل المجلس، وعلى رأسهم الفريق أول ركن شمس الدين كباشي، والفريق أول ركن ياسر العطا، والفريق إبراهيم جابر. وفي المقابل، ترى قيادات الحركة الإسلامية أنّ طموحات البرهان السياسية باتت تتجاوز كل التوافقات والخطوط الحمراء السابقة، في وقت تعمد فيه المجموعات الإسلامية المتشددة إلى استغلال حالة التردي الاقتصادي والمعيشي غير المسبوقة لتجييش الشارع السوداني وخدمة أجنداتها الخاصة على حساب مصلحة الوطن العليا.

مناورات دبلوماسية وضغوط دولية

وعرج الفكي في قراءته للمشهد إلى خطاب البرهان الأخير الموجه إلى الإدارة الأمريكية، مؤكداً أنه جاء تحت سياط ضغوط دولية وإقليمية بالغة الشدة. واتسم الخطاب بحسب وصفه بالتناقض والمناورة السياسية الواضحة بهدف كسب الوقت وإجهاض مساعي ومبادرات السلام الإقليمية والدولية. ودعا الفكي إلى ضرورة استمرار وتكثيف الضغط المباشر على البرهان لتجريده من تكتيكاته السلطوية التي تعرقل جهود حماية الأمن القومي السوداني واستقرار دول الجوار، مشدداً على أن حسابات البرهان باتت محصورة حصرياً في كيفية البقاء على رأس السلطة، دون أدنى اكتراث هلع أو شعور بالمسؤولية تجاه الكارثة الإنسانية والسياسية الهائلة التي تحاصر السودان من كل جانب.

استكمالا لقراءة المشهد وتبعاته العميقة، التقت “عين الحقيقة” بعدد من الخبراء والمحللين لاستشراف تأثير هذه التطورات السياسية والعسكرية على مستقبل البلاد: د. حامد النور، الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية: “ما كشفه محمد الفكي سليمان يعبر عن حقيقة الأزمة البنيوية التي يعاني منها معسكر بورتسودان. الانقسامات بين القيادات العسكرية العليا وتناقض المصالح مع الحركة الإسلامية يعكسان أن السلطة هناك ليست جسماً متجانساً، بل تحالف هش تجمعه المصالح المؤقتة. محاولات الانفرد بالحكم في ظل دولة منهارة وحرب طاحنة تعني استمرار نزيف الدم وضياع ما تبقى من مؤسسات الدولة.”

الباحث الاقتصادي هيثم كمال مضى قائلاً: “من الناحية الاقتصادية، الصراعات السياسية المستمرة وغياب الاستقرار في رأس الهرم يعطلان تماماً أي فرصة لإنقاذ الاقتصاد أو جذب مساعدات دولية حقيقية. البرهان وحكومته يستهلكون الوقت في مناورات سياسية لإدامة البقاء في السلطة، بينما الاقتصاد الكلي ينهار تماماً، والعملة الوطنية تفقد قيمتها يوماً بعد يوم، والمواطن السوداني يدفع ثمن هذا العبث السياسي جوعاً ونزوحاً وتشريداً.”

عصام الدين عبد القادر، الخبير الأمني والعلاقات الدولية: “تحذيرات الفكي من تحول السودان إلى بيئة خصبة للإرهاب والميليشيات هي قراءة واقعية تماماً لمخاطر غياب الدولة المركزية المتماسكة. عندما تتقاطع أجندات السلطة الضيقة مع طموحات الجماعات المتطرفة واستغلال الأزمات المعيشية، فإننا نتحدث عن تهديد مباشر לאمن الإقليم بأكمله وليس للسودان وحدها. الضغط الدولي المنسق هو المفتاح الوحيد لتغيير هذه المعادلة الكارثية.”

 نحو مفرق طرق حاسم

يبقى السودان اليوم رهيناً لحالة من الجمود السياسي وانسداد الأفق، وسط تفكك الجبهة الحاكمة وتشبث القيادة العسكرية بالحيل والمناورات. وبينما تتسع رقعة الكارثة الإنسانية وتتفاقم المعاناة المعيشية لملايين السودانيين في الداخل والشتات، تظل الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى لبلورة إرادة وطنية ودولية حقيقية تضع حداً لهذه الحرب الممتدة، وتعيد مسار البلاد نحو السلام والانتقال الديمقراطي الشامل.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.