جمارك النار: قفزة قياسية للدولار الجمركي بنسبة 30% تفاقم الأعباء المعيشية في السودان

 تقرير: عين الحقيقة

 

في خطوة تصعيدية جديدة ألقت بظلال كئيبة على الأسواق، أقدمت هيئة الجمارك السودانية، اليوم، على تطبيق زيادة جديدة وقياسية في سعر الدولار الجمركي بلغت نسبتها نحو 30%، ليرتفع السعر التأشيري من 4346 إلى 5631 جنيهاً سودانياً. ويأتي هذا التعديل، الذي يُعد الخامس من نوعه خلال العام 2026، في محاولة رسمية لمواكبة الارتفاع المستمر لأسعار العملات الأجنبية في السوق الموازية، متجاهلاً التحذيرات المتتالية من تداعياته الكارثية على الاقتصاد الكلي والقدرة الشرائية للمواطنين.

 صدمة الاستيراد وتضخم مضاعف

تأتي هذه الزيادة في توقيت بالغة الحساسية يعاني فيه الاقتصاد السوداني من شلل شبه تام في الإنتاج المحلي، جراء استمرار تداعيات الحرب التي عصفت بولايات الخرطوم والجزيرة وسنار، فضلاً عن الاضطرابات العميقة في سلاسل الإمداد والتجارة الخارجية.

ومع قفزة الدولار الجمركي، يترقب السوق المحلي موجة غلاء جديدة وعاتية ستضرب أسعار السلع الأساسية، وقطع الغيار، ومستلزمات الإنتاج. ولن يقتصر الأمر على ذلك، بل سيتضاعف العبء الضريبي والجمركي في كافة الموانئ البرية والبحرية والجوية، مما يضاعف تكلفة التخليص الجمركي بالعملة المحلية على المستوردين، وهي تكلفة حتمية ستُمرر مباشرة إلى المستهلك الأخير المكتوي بنار الغلاء.

 حلقة مُفرغة

وسط حالة من القلق المتصاعد بين التجار والمواطنين، التقت “عين الحقيقة” بعدد من الخبراء الاقتصاديين لقراءة أبعاد هذا القرار وتداعياته المستقبلية: د. محمد الصادق، أستاذ الاقتصاد السياسي مضى قائلاً:  “هذا القرار يعكس حلقة مفرغة وسياسة تدار بردود الفعل لا بالرؤى الاستراتيجية. رفع الدولار الجمركي بنسبة 30% دفعة واحدة في ظل اقتصاد حرب يعاني أصلاً من تراجع حاد في قيمة الجنيه وتوقف الأنشطة الإنتاجية يعني بوضوح إعلان رصاصة الرحمة على ما تبقى من القدرة الشرائية للمواطن. الحكومة تحاول سد عجز الإيرادات عبر الجمارك، لكنها بذلك تقتل ‘الدجاجة التي تبيض ذهباً’، إذ ستتراجع حجوم الاستيراد تدريجياً نتيجة عجز التجار عن الإيفاء بالالتزامات المالية الضخمة، مما سيؤدي إلى ندرة في السلع وارتفاع جنوني في أسعارها.”

تغريد النور  الباحثة في اقتصاديات التجارة وسلاسل الإمداد: ذهبت إلى أن “المشكلة لا تكمن فقط في الرقم الجديد للدولار الجمركي، بل في توقيته وتأثيره التراكمي. إن ارتفاع تكلفة تخخليص السلع وقطع الغيار في الموانئ سيعطل حركة التجارة الخارجية بشكل خطير. المصانع التي تحاول التقاط أنفاسها وتشغيل خطوط إنتاج محدودة ستجد نفسها عاجزة عن استيراد المدخلات الأساسية. نحن نتجه نحو ركود تضخمي غير مسبوق، حيث ترتفع الأسعار بصورة صاروخية بينما ينكمش العرض وتتآكل الدخول الحقيقية للأسر السودانية.”

سمير عثمان المحلل المالي والمصرفي: “استمرار لجوء السلطات لرفع الدولار الجمركي كمخرج لترقيع العجز المالي يثبت عياب البدائل والسياسات النقدية الفعالة. بدلاً من تحفيز الإنتاج الحقيقي وتصدير الفوائض، يتم الاعتماد على جباية الموانئ كمسار أسهل، وهو مسار مدمر على المدى المتوسط والبعيد. الأعباء الضريبية والجمركية الجديدة ستدفع بالمزيد من المستوردين والشركات نحو الإفلاس أو الخروج من السوق، مما ينذر بكارثة معيشية ومعاملات تجارية شبه مشلولة.”

 نظرة نحو المجهول

يبدو المستقبل القريب محفوفاً بالمخاطر الاقتصادية الجسيمة، إذ تضع هذه الزيادة القياسية المواطن السوداني وجهاً لوجه أمام موجة تضخمية عارمة لا هوادة فيها. وبين مطرقة انهيار قيمة العملة الوطنية وسندان الرسوم الجمركية والضريبية الباهظة، يبقى الاقتصاد السوداني رهيناً لظروف الحرب وغياب الحلول الهيكلية المستدامة، مما يتطلب تدخلاً عاجلاً لإعادة صياغة السياسات المالية والنقدية قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.