في بلدٍ أنهكته الحرب، وتآكلت فيه الدخول تحت وطأة التضخم وانهيار القدرة الشرائية، يجد المعلمون السودانيون أنفسهم أمام معركة جديدة لا تتعلق هذه المرة بالمناهج أو التقويم الدراسي، بل بحقهم في العيش بكرامة. فبين رواتب لا تواكب أبسط الاحتياجات اليومية وأسعار تواصل الارتفاع، تتصاعد الضغوط داخل قطاع التعليم، بينما يبرز الإضراب خيارًا مطروحًا لمواجهة واقع معيشي بات يهدد استقرار المعلمين وأسرهم، ويضع مستقبل العملية التعليمية أمام مزيد من المخاطر.
لجنة المعلمين: الأوضاع الاقتصادية الراهنة والفجوة المتزايدة بين الرواتب وتكاليف المعيشة تثيران تساؤلات جدية بشأن قدرة المعلمين على تلبية احتياجات أسرهم ومواصلة أداء مهامهم
ودعت لجنة المعلمين السودانيين المعلمين في مختلف أنحاء البلاد إلى تقييم أوضاعهم المعيشية واتخاذ موقف إزاء تدني الأجور وارتفاع تكاليف الحياة، واضعةً خيار الإضراب ضمن وسائل الضغط للمطالبة بتحسين الرواتب وتوفير الحد الأدنى من متطلبات المعيشة. وتعكس الدعوة اتساع الفجوة بين ما يتقاضاه المعلمون وما يحتاجون إليه لتأمين الغذاء والسكن والعلاج والتعليم، في وقت تتزايد فيه الأعباء الاقتصادية على الأسر السودانية بفعل استمرار الحرب وتداعياتها.
وقالت اللجنة، في بيان تنويه صدر الأربعاء، إن الأوضاع الاقتصادية الراهنة والفجوة المتزايدة بين الرواتب وتكاليف المعيشة تثيران تساؤلات جدية بشأن قدرة المعلمين على تلبية احتياجات أسرهم ومواصلة أداء مهامهم في ظل الضغوط المتصاعدة.
وأشارت اللجنة إلى أن أعلى راتب للمعلمين، وفقًا لما أورده بيانها، لا يتجاوز نحو 250 ألف جنيه سوداني، معتبرةً أن هذا المستوى من الأجور لا يعكس حجم الاحتياجات المعيشية ولا يتناسب مع الارتفاع الكبير في الأسعار وتراجع القوة الشرائية للعملة الوطنية.
وتكشف هذه الأرقام، إذا ما قورنت بتكاليف الغذاء والإيجارات والمواصلات والعلاج، عن أزمة تتجاوز حدود ضعف الرواتب إلى سؤال أكثر خطورة: كيف يُطلب من المعلم أن يؤدي رسالته التربوية بكفاءة، بينما يواجه العجز عن تأمين احتياجاته الأساسية؟ وكيف يمكن الحديث عن إصلاح التعليم في ظل أوضاع اقتصادية تدفع العاملين فيه إلى المفاضلة بين متطلبات أسرهم والوفاء بالتزاماتهم المهنية؟
إن استمرار هذا الواقع يضع المعلمين أمام ضغوط قاسية، ويهدد بتراجع الاستقرار الوظيفي والنفسي داخل المؤسسات التعليمية. فالمعلم الذي ينشغل بتدبير تكاليف يومه، ويعجز عن توفير احتياجات أطفاله، لا يواجه أزمة شخصية فحسب، بل يعمل داخل بيئة تضيق فيها فرص التركيز والاستقرار والعطاء. ومن ثم، فإن أزمة الأجور ليست شأنًا نقابيًا محدودًا، وإنما قضية ترتبط مباشرة بجودة التعليم ومستقبل أجيال كاملة.
وفي بلد تتواصل فيه الحرب منذ أبريل 2023، تبدو هذه الأزمة أكثر تعقيدًا؛ إذ تعرضت قطاعات واسعة من الاقتصاد ومؤسسات الدولة لضغوط شديدة، وتضررت الخدمات العامة، فيما تحولت الاحتياجات الأساسية إلى عبء متزايد على المواطنين. غير أن ظروف الحرب، مهما بلغت قسوتها، لا تلغي مسؤولية السلطات عن التعامل مع حقوق العاملين، ولا تجعل المطالب المعيشية أمرًا ثانويًا يمكن تأجيله إلى أجل غير مسمى.
وتضع دعوة لجنة المعلمين السلطات المعنية أمام اختبار واضح: هل ستتعامل مع تدهور أوضاع المعلمين باعتباره أزمة تستوجب حلولًا عاجلة، أم ستكتفي بإدارة الأزمة عبر الوعود والتبريرات، تاركةً العاملين في التعليم لمواجهة الغلاء بإمكاناتهم المحدودة؟ فالتعليم لا يمكن أن يحتل موقعًا متقدمًا في الخطاب الرسمي، بينما تظل أوضاع القائمين عليه خارج دائرة المعالجات الجادة.
وفي مواجهة الاتهامات التي قد تُثار بشأن خلفيات التحرك، شددت اللجنة على أن الدعوة إلى الإضراب تنطلق من مطالب معيشية ومهنية، ولا تستهدف خدمة حزب سياسي أو الاصطفاف مع جهة ضد أخرى. وأكدت أن المطالبة بأجر يتناسب مع تكاليف الحياة حق مشروع، لا ينبغي تحويله إلى ساحة للاتهامات أو المزايدات السياسية.
كما أوضحت اللجنة أنها لا تفرض الإضراب على المعلمين، ولا تدعي احتكار تمثيلهم، مشيرةً إلى أن قرار المشاركة يظل حقًا فرديًا لكل معلم، وفقًا لظروفه المعيشية وتقديره للمطالب المطروحة. ودعت المعلمين إلى اتخاذ قراراتهم استنادًا إلى واقعهم واحتياجات أسرهم، بعيدًا عن التخويف أو التخوين، مؤكدةً أن جوهر التحرك يتمثل في تحسين الأجور وصون كرامة المعلم وتوفير الظروف التي تمكّنه من مواصلة رسالته التعليمية.
ومع ذلك، فإن وضع الإضراب ضمن الخيارات المطروحة لا يبدد الأسئلة المتعلقة بقدرة التحرك على انتزاع استجابة فعلية، ولا بحجم التأثير الذي قد يتركه على الدراسة، خصوصًا في ظل الأزمة التي يعانيها قطاع التعليم أصلًا. فنجاح أي تحرك نقابي يحتاج إلى وضوح المطالب، وتحديد آليات التصعيد، ووجود رؤية تفاوضية تضع الجهات المسؤولة أمام التزامات قابلة للقياس والتنفيذ.
ولم يتضمن البيان، بحسب النص المنشور، موعدًا محددًا لبدء الإضراب أو مدته، كما لم يورد جدولًا زمنيًا لتنفيذ المطالب.
وهو ما يترك مسار التحرك مفتوحًا، بانتظار ما قد تتخذه اللجنة والمعلمون من خطوات لاحقة، وما إذا كانت السلطات ستبادر إلى معالجة الأزمة قبل انتقال الاحتجاج من مستوى الدعوة إلى خطوات عملية.
في الواقع، لا تتمثل القضية في إضراب محتمل فحسب، بل في واقع يدفع المعلم إلى حافة العجز، ويضع التعليم نفسه أمام مزيد من التدهور. فالدولة التي تعجز عن توفير الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي لمعلميها تواجه أزمة تتجاوز الرواتب إلى جوهر مسؤوليتها عن حماية الخدمات العامة. وبين صمت السلطات وتصاعد الغلاء، يبقى السؤال: إلى متى يُطلب من المعلم السوداني أن يتحمل كلفة الانهيار الاقتصادي من قوت أسرته وكرامته ومستقبل طلابه؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.