«العيش يا برهان».. صرخة الجوع تلاحق الجنرال وسط تجاهل مطالب السودانيين

تقرير: عين الحقيقة

 

من الولاية الشمالية، أطلقت مواطنة سودانية صرخة تختزل جانباً من معاناة ملايين السودانيين تحت وطأة الغلاء وتدهور الأوضاع المعيشية، وهي تهتف خلال زيارة قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان: «العيش العيش.. حبتين بألف يا برهان». لكن المشهد، وفق المقطع المتداول، انتهى بمغادرة البرهان باتجاه مروحيته، وسط تساؤلات عن مدى استجابة القيادة العسكرية لمطالب المواطنين المتزايدة بتوفير الخبز وتحسين الأوضاع المعيشية وإنهاء الحرب.

وأعاد المقطع المصور، الذي قيل إنه يوثق زيارة البرهان إلى منطقتي البرقيق ووادي حلفا بالولاية الشمالية، تسليط الضوء على اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الذي يعيشه السودانيون، في وقت تتفاقم فيه الأزمات الاقتصادية والإنسانية، وتتراجع فيه قدرة الأسر على توفير احتياجاتها الأساسية.

مشهد يلخص أزمة الحكم

لم تكن هتافات المواطنة مجرد مطالبة بتوفير الخبز، بل عكست احتجاجاً على واقع معيشي يزداد قسوة، وعلى حرب دخلت عامها الرابع من دون أفق واضح لإنهائها. وفي بلد يواجه ملايين سكانه النزوح والجوع وفقدان مصادر الدخل، باتت المطالب اليومية للمواطنين اختباراً حقيقياً لجدية السلطة في التعامل مع احتياجاتهم.

وأثار المقطع انتقادات من ناشطين ومتابعين، رأوا في المشهد تعبيراً عن اتساع المسافة بين القيادة العسكرية ومواطنيها، معتبرين أن تجاهل المطالب المعيشية، حتى في أثناء الزيارات الميدانية، يعكس أزمة في ترتيب الأولويات، حيث تتقدم الحسابات العسكرية والسياسية على احتياجات السكان الأساسية.

وتذهب انتقادات سياسية أبعد من ذلك، إذ تتهم البرهان بالاعتماد على حلفائه من التيار الإسلامي للحفاظ على سلطته، بدلاً من تقديم مسار واضح يضع إنهاء الحرب واستعادة الحياة المدنية في مقدمة الأولويات. غير أن هذه الاتهامات تظل مواقف سياسية تستلزم عرض الأدلة والوقائع التي تسندها.

الجوع فاتورة حرب مستمرة

تأتي صرخة «العيش يا برهان» في ظل تدهور اقتصادي واسع، أضعفت فيه الحرب مصادر دخل الأسر، وعطلت الأسواق والأنشطة الإنتاجية، ورفعت تكاليف الغذاء والدواء والنقل إلى مستويات تفوق قدرة قطاعات واسعة من السودانيين.

وفي ظل تراجع القوة الشرائية للجنيه السوداني، أصبحت السلع الأساسية عبئاً يومياً على الأسر، بينما يواجه النازحون والمواطنون الذين فقدوا أعمالهم وممتلكاتهم أو مصادر رزقهم ظروفاً أشد قسوة. ولم تعد أزمة الخبز والأسعار مجرد انعكاس لاختلالات اقتصادية، بل باتت جزءاً من أزمة وطنية أوسع ترتبط باستمرار القتال وتفكك الخدمات وتراجع فرص التعافي.

وتتحمل أطراف الحرب مسؤولية مباشرة عن استمرار معاناة المدنيين، سواء من خلال مواصلة العمليات العسكرية أو تعطيل فرص التسوية السياسية. كما أن السلطات القائمة في مناطق سيطرة الجيش تواجه مسؤولية مضاعفة في حماية المواطنين وتخفيف أعبائهم، بدلاً من الاكتفاء بالخطابات السياسية والعسكرية التي لا توفر الخبز ولا تعيد الخدمات ولا تضع حداً للنزوح.

وتتزامن هذه الأوضاع مع أزمة إنسانية واسعة دفعت ملايين السودانيين إلى النزوح داخل البلاد أو اللجوء إلى دول الجوار، فيما لا يزال ملايين آخرون بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة. وتكشف هذه الصورة حجم التناقض بين احتياجات السكان الملحة واستمرار الحرب التي تستنزف الموارد وتعمق الانهيار.

السلام في مواجهة حسابات الإسلاميين

وفي سياق الانتقادات الموجهة إلى القيادة العسكرية، قال عضو حزب المؤتمر السوداني، الرشيد إدريس، إن رفض مبادرات السلام المطروحة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 يعكس، بحسب تقديره، تأثير قيادات الحركة الإسلامية في القرار السياسي والعسكري.

واتهم إدريس شخصيات من التيار الإسلامي، من بينها علي كرتي وأسامة عبد الله، بالتأثير في مسار الحرب والعمل على استعادة النفوذ السياسي، معتبراً أن استمرار القتال يخدم حسابات قوى تسعى إلى العودة إلى السلطة. ولم يتسنَّ، في المعلومات الواردة، التحقق بصورة مستقلة من هذه الاتهامات أو تحديد طبيعة الأدوار المنسوبة إلى الشخصيات المذكورة.

وتثير هذه الاتهامات سؤالاً جوهرياً بشأن استقلال القرار السياسي والعسكري، ومدى قدرة القيادة على اتخاذ قرارات تضع مصلحة المدنيين فوق حسابات الحلفاء والمصالح التنظيمية. فكلما طال أمد الحرب، ازدادت كلفتها الإنسانية والاقتصادية، وتراجعت فرص إعادة بناء الدولة واستعادة الثقة بين المواطنين ومؤسسات الحكم.

من جانبها، اعتبرت سوسن الحسن أن هتاف «العيش يا برهان» تجاوز المطالبة بالخبز ليعبر عن رفض شعبي لاستمرار الحرب، وربطت بينه وبين شعار «لازم تقيف»، في إشارة إلى المطالبات بوقف القتال وإنهاء معاناة السودانيين.

وأضافت الحسن، وفق ما ورد في تعليقها، أن تجاهل هذه الصرخة يعكس، من وجهة نظرها، انحياز القيادة إلى مشروع الحركة الإسلامية بدلاً من الاستجابة لمطالب المواطنين.

صرخة الخبز تفضح أزمة الشرعية

إن أخطر ما في مشهد الولاية الشمالية ليس أن مواطنة رفعت صوتها مطالبة بالخبز، بل أن تتحول هذه المطالبة البسيطة إلى صورة تختصر عجز السلطة عن تقديم إجابات مقنعة لشعب أنهكته الحرب. فالمواطن الذي لا يجد ثمن الخبز لا تعنيه الشعارات العسكرية، ولا تكفيه الوعود السياسية، ولا يستطيع انتظار نهاية مفتوحة لصراع يدفع ثمنه من قوته وأمنه ومستقبل أبنائه.

وإذا كانت القيادة العسكرية ترى في حماية الدولة مبرراً لاستمرار الحرب، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: أي دولة تُحمى حين يجوع مواطنوها، وتتسع رقعة النزوح، وتنهار الخدمات، وتصبح لقمة العيش مطلباً يستدعي الصراخ في وجه أعلى سلطة عسكرية؟

إن تجاهل مطالب المواطنين، إن تأكد من سياق المقطع، ليس مجرد خطأ في البروتوكول أو موقف عابر أمام الكاميرات؛ بل يمثل إخفاقاً سياسياً وأخلاقياً في فهم جوهر المسؤولية العامة. فالقيادة التي تطالب الشعب بالصبر والتضحية مطالبة أولاً بأن تقدم له طريقاً واضحاً للخروج من الكارثة، لا أن تتركه أسيراً للجوع بينما تتواصل المعارك وتتعقد الحسابات السياسية.

أما إذا ظل القرار الوطني رهيناً لتحالفات أيديولوجية وحسابات بقاء السلطة، كما تتهم قوى سياسية معارضة، فإن السودان سيظل يدفع ثمن صراع لا ينتهي، وستبقى معاناة المواطنين وقوداً لمشروعات لا تضع حياتهم في مقدمة أولوياتها.

لقد اختزلت سيدة سودانية، بهتافها البسيط، أزمة أكبر من رغيف خبز: أزمة سلطة مطالبة بأن تبرهن على شرعيتها بخدمة الناس، لا بالاحتفاظ بالسلاح، وأزمة قيادة لا يكفيها أن تتحدث باسم الوطن بينما يعجز مواطنوه عن تأمين أبسط احتياجاتهم. فالشرعية لا تُفرض بالمواكب العسكرية، ولا تُصنع بالتحالفات السياسية، بل تُكتسب بحماية المواطنين وصون كرامتهم وإنهاء الحرب.

والسؤال الذي سيظل يطارد البرهان وحلفاءه ليس كم من الهتافات سمعوا في الولاية الشمالية، بل كم من السودانيين سيظلون يصرخون طلباً للخبز، بينما تظل أبواب السلام مغلقة وتستمر فاتورة الحرب في الارتفاع.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.