أخطر ما يمكن أن تفعله الحركة الإسلامية في السودان هو أن تسعى إلى كتابة رواية جديدة عن تاريخ البلاد، تتوارى خلفها مسؤوليتها السياسية عن الكارثة التي يعيشها السودانيون. فالمشكلة تتجاوز الدفاع عن تجربة حكم سابقة؛ إنها محاولة للتحكم في الذاكرة العامة، وإعادة ترتيب الوقائع بما يخدم مصالح تنظيم يريد أن يظهر في صورة مختلفة عن صورته التي صنعتها ممارساته وقراراته.
التاريخ ميدان تتصارع فيه الروايات، وتتنافس فيه القوى السياسية على تفسير الأحداث وتحديد المسؤوليات. وحين تمتلك السلطة أدوات الإعلام والموارد ومؤسسات الدولة، تستطيع أن تفرض روايتها فترة من الزمن، وأن تحاصر الأصوات المخالفة، وأن تقدم مصالح التنظيم باعتبارها مصالح الوطن. غير أن فرض الرواية بالقوة لا يحولها إلى حقيقة، كما أن تكرار الادعاءات لا يمحو الوقائع التي شهدها الناس وعاشوا آثارها.
منذ انقلاب الثلاثين من يونيو 1989، دخل السودان مرحلة سياسية أعادت تشكيل الدولة ومؤسساتها على أساس الولاء التنظيمي، وأضعفت التعددية السياسية، وأقصت قطاعات واسعة من الحياة العامة. وتحولت مؤسسات يفترض أن تخدم المواطنين إلى أدوات لترسيخ سلطة التنظيم، بينما تعرضت الخدمة المدنية والمؤسسات المهنية والعسكرية لتدخلات أضرت باستقلالها وكفاءتها. كانت تلك اختيارات سياسية لها نتائجها الممتدة، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها تفاصيل منفصلة عن الأزمة الراهنة.
إن أي محاولة لقراءة تاريخ السودان الحديث تتجاهل تلك المرحلة أو تفصل نتائجها عن القرارات التي صنعتها، تقدم رواية مبتورة مهما ازدانت بالشعارات الوطنية. فالدول لا تصل إلى أزماتها الكبرى في فراغ، والحروب لا تنفصل عن تاريخ طويل من إضعاف المؤسسات، وإقصاء الخصوم، وتغليب الولاء السياسي على المصلحة العامة، وتراكم المظالم التي عجزت السلطة عن معالجتها.
وتزداد خطورة هذا المسعى حين تحاول الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني تقديم نفسيهما بوصفهما مرجعاً لتفسير الأزمة، مع تجاوز الأسئلة المتعلقة بتجربتهما في الحكم، ومسؤوليتهما عن إضعاف المجال السياسي، وطبيعة الدولة التي عملا على بنائها. فالمساءلة تبدأ من حق المجتمع في معرفة ما حدث، وكيف حدث، ومن اتخذ القرارات، ومن استفاد منها، ومن تحمل كلفتها.
وقد عرف السودان، في مراحل مختلفة من تاريخه، كيف تُستخدم السلطة لتوجيه الذاكرة العامة، وكيف تتحول الرواية الرسمية إلى وسيلة لتبرير القرارات وتجميل التجارب السياسية. وكلما اشتدت الأزمات، ازدادت محاولات إعادة تفسير الماضي بما يخدم الحاضر. غير أن ذاكرة الشعوب أوسع من بيانات الحكومات، وأعمق من الحملات الإعلامية، وأكثر تعقيداً من أن تُختزل في رواية حزب أو تنظيم.
وتكشف الحرب الراهنة أهمية التوثيق المستقل، لأن ما يجري اليوم سيصبح جزءاً من التاريخ الذي ستدرسه الأجيال القادمة. فالشهادات والوثائق والصور والتقارير الصحفية وسجلات المؤسسات تشكل مصادر أساسية لفهم الأحداث وتحديد المسؤوليات. وأي تهاون في حفظ هذه المواد يفتح المجال أمام التضليل، ويمنح أصحاب المصالح فرصة للتلاعب بالوقائع أو دفن ما لا يناسب رواياتهم.
ومن هنا تبرز مسؤولية الصحافة والباحثين والكتاب والمؤسسات الحقوقية في تسجيل الوقائع، والتحقق من المعلومات، وحماية الشهادات، وإتاحة المجال أمام الروايات المختلفة كي تخضع للفحص والنقد. فالتوثيق الجاد لا يقوم على الولاء السياسي، ولا يختار الوقائع وفق هوية مرتكبيها، وإنما يستند إلى الأدلة، ويضع المسؤولية حيث تقود إليها الحقائق.
كما أن مواجهة تزوير التاريخ تتطلب التمييز بين حق أي جهة في عرض روايتها، وبين محاولتها فرض تلك الرواية على المجتمع. فحرية التعبير تتيح للجميع تقديم مواقفهم وتفسيراتهم، لكنها لا تمنح أحداً سلطة احتكار الحقيقة أو إعفاء نفسه من المساءلة. والروايات السياسية، مهما بلغت قوة أصحابها، تظل قابلة للفحص والمراجعة أمام الوثائق والشهادات والوقائع.
إن الإصدارات الجديدة التي تُدشَّن اليوم تكتسب أهميتها من قدرتها على فتح مساحات للنقاش والتوثيق وإعادة قراءة التجربة السودانية. فقيمة الكتابة تكمن في طرح الأسئلة الصعبة، ومراجعة المسلمات، وكشف التناقضات، وتقديم معرفة تساعد المجتمع على فهم ماضيه واستيعاب أزماته. وحين تتحول الكتابة إلى أداة لمجاملة السلطة أو تبرئة التنظيمات السياسية، تفقد دورها المعرفي وتصبح امتداداً للدعاية.
السودان بحاجة إلى تاريخ يُكتب بأدوات البحث والتدقيق، وتُسمع فيه أصوات المتضررين والمهمشين سياسياً، وتُفحص فيه قرارات الحكام والتنظيمات من دون حصانة. كما يحتاج إلى مناهج تعليمية وإعلام مهني ومؤسسات مستقلة تحفظ الذاكرة العامة من التوظيف السياسي. فالمصالحة مع الماضي تبدأ بمعرفته، والتعافي من الأزمات يتطلب مواجهة أسبابها، وإعادة بناء الدولة تحتاج إلى وعي بالتجارب التي أضعفتها.
إن تاريخ السودان حقٌ لشعبه، وذاكرته ملكٌ لأجياله، وكل من يسعى إلى تحريف الوقائع أو محو الشهادات أو تجميل أخطاء الماضي لخدمة مصالحه السياسية، إنما يحاول فرض رواية انتقائية على أمة دفعت أثماناً باهظة بسبب قرارات حكامها وتنظيماتها. وقد شهد تاريخنا كيف استُخدمت السلطة لتوجيه الذاكرة العامة، وكيف جرى تقديم الروايات الرسمية على حساب الوثائق والشهادات والحقائق. لذلك، فإن مواجهة تحريف التاريخ مسؤولية وطنية وأخلاقية، تبدأ بالتوثيق الحر، وتستند إلى الشهادات والوقائع، وتنتهي بإقرار حق الأجيال في معرفة ما جرى، ومساءلة كل من أسهم في صناعة الكارثة أو حاول طمس حقيقتها. فالحقيقة حق للشعب، والتاريخ أمانة في أعناق من يكتبونه، ولن يكون لأي سلطة أو حزب أو تنظيم حق مصادرة ذاكرة السودانيين أو فرض روايته عليهم.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.