البرهان يهدي سيارة بـ22 ألف دولار لمغني.. وآلاف المعلمون يبحثون عن لقمة العيش

في بلد أنهكته الحرب، وتتصاعد فيه معدلات الجوع والفقر، ويعجز فيه آلاف المعلمين عن توفير أبسط احتياجات أسرهم من مرتباتهم، تثير هدية سيارة فارهة لفنان سوداني أسئلة حول أولويات السلطة، ومعايير التكريم، والفجوة المتسعة بين امتيازات البعض ومعاناة الملايين. أعلن الفنان السوداني عاطف السماني تلقيه سيارة من طراز «جيتور داشينج 2026» هدية من رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، تقديراً لمواقفه خلال سنوات الحرب وبقائه في الخرطوم، بحسب ما أُعلن بشأن الهدية. وتُقدّر قيمة السيارة بنحو 22,250 دولاراً أمريكياً، وهو مبلغ يفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز قيمة الهدية ذاتها إلى ما يمكن أن يمثله هذا المبلغ في بلد يواجه أزمة إنسانية واقتصادية خانقة، فيما يكافح المواطنون لتأمين الغذاء والدواء ومستلزمات الحياة اليومية. فبينما تُقدَّم سيارة بعشرات الآلاف من الدولارات تقديراً لموقف فني، يظل آلاف المعلمين في مواجهة واقع معيشي قاسٍ، لا تكفي فيه المرتبات لتوفير الخبز لأطفالهم.

 سيارة في زمن الجوع

لا تتعلق القضية بمكانة المغني عاطف السماني. لكن السؤال الجوهري يتعلق بأولويات الإنفاق والتكريم في بلد يعيش ملايين من مواطنيه أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة. ففي الوقت الذي يعاني فيه سودانيون من نقص الغذاء والعلاج، ويواجه النازحون واللاجئون ظروفاً قاسية، تكافح أسر كثيرة لتوفير احتياجاتها الأساسية في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخول وتدهور الخدمات. وتبدو المفارقة أكثر إيلاماً عندما تُقارن قيمة السيارة بأوضاع العاملين في قطاع التعليم، الذين يفترض أن يكونوا في مقدمة الفئات التي تحظى بالحماية والتقدير، بالنظر إلى دورهم في الحفاظ على مستقبل الأجيال وإعادة بناء ما دمرته الحرب. فأي معنى للتكريم الوطني إذا كان المعلم الذي يصنع وعي المجتمع يعجز عن تأمين احتياجات أطفاله، بينما تُمنح هدية تقدر بعشرات الآلاف من الدولارات لشخصية عامة؟

 من مكتب التعليم إلى كمائن الطوب

تختصر حكاية الأستاذ علي حسين، مدير التعليم الأسبق بوحدة تعليم ود حسونة بشرق النيل، جانباً من المأساة التي يعيشها المعلم السوداني.  فبحسب المعلومات المتداولة عن حالته، يعمل حسين حالياً بمكتب توجيه أم ضوا بان، واضطر إلى العمل في إحدى كمائن الطوب بسبب سوء الأوضاع المعيشية وعدم كفاية المرتب لتلبية احتياجات أطفاله.وفي مقابل سيارة تبلغ قيمتها نحو 22,250 دولاراً، تبرز أسئلة عن حجم المساعدة التي كان يمكن أن يقدمها هذا المبلغ للمعلمين الذين أثقلت الحرب كاهلهم، وعن الأولويات التي ينبغي أن تتصدر الإنفاق العام في بلد يحتاج إلى استعادة خدماته الأساسية.

 ماذا يمكن أن تفعل 22,250 دولاراً؟

إن مبلغ 22,250 دولاراً أمريكياً، وهو ثمن سيارة جيتور داشينج، يمكن أن يتحول من رفاهية فردية إلى بارقة أمل لعشرات المعلمين السودانيين الذين أنهكتهم الحرب وتآكلت مرتباتهم. فبدلاً من إنفاق هذا المبلغ على سيارة واحدة، يمكن توجيهه، وفقاً لمستوى المرتبات والاحتياجات الفعلية، للمساهمة في سداد أجور عدد من المعلمين، أو توفير دعم نقدي عاجل للأسر التعليمية الأكثر تضرراً، أو تغطية احتياجات مدرسية أساسية في مناطق النزوح. وفي بلد يضطر فيه معلمون إلى العمل في كمائن الطوب بحثاً عن لقمة العيش لأطفالهم، كما في حالة الأستاذ علي حسين، تصبح المقارنة موجعة: سيارة قد تساوي ثمنها ما يخفف معاناة أسر كثيرة، بينما يظل المعلم الذي يصنع مستقبل الأجيال عاجزاً عن تأمين حاضره. المأساة ليست في شراء سيارة، بل في وطن تُترك فيه كرامة المعلم رهينة راتب لا يكفي لإطعام أطفاله.

 المعلم أولى بالتكريم

تحتاج قضية المعلمين إلى أكثر من التعاطف مع صورهم وهم يكافحون من أجل لقمة العيش؛ فهي تستدعي سياسات واضحة لتحسين الأجور، وصرف المرتبات بانتظام، وتسوية المستحقات المتأخرة، وتوفير الحماية الاجتماعية، والاستجابة لمطالب المعلمين الذين لجأوا إلى الإضرابات والاحتجاجات دفاعاً عن حقوقهم المهنية والمعيشية.وهنا يبرز سؤال أساسي: هل كانت السيارة هدية شخصية من البرهان أم أنها قُدمت من موارد عامة؟ فالمعلومات المتاحة عن إعلان الهدية لا تكفي وحدها لتحديد مصدر تمويلها. وإذا كانت من المال العام، فإن معرفة تكلفتها ومبرراتها وآلية اعتمادها تصبح حقاً للرأي العام، أما إذا كانت هدية شخصية، فتظل المفارقة الاجتماعية والسياسية بشأن أولويات التكريم قائمة.

 أي دولة نريد؟

في بلد يبحث فيه المعلم عن لقمة العيش بين قوالب الطوب، لا تبدو قيمة السيارة مجرد ثمن مركبة جديدة، بل سؤالاً عن العدالة والأولويات ومعنى التكريم في زمن الحرب. فإذا كانت قيمة سيارة واحدة تقترب من 22 ألف دولار، فكم من الأسر يمكن أن تستفيد من توجيه هذا المبلغ إلى الغذاء والعلاج والتعليم؟ وكم من المعلمين يمكن أن يشعروا بأن المجتمع لم ينسَ تضحياتهم؟ إن الإجابة تكمن  في بناء دولة تجعل كرامة الإنسان واحتياجاته الأساسية في مقدمة أولوياتها، وتضمن ألا يبقى المعلم الذي يصنع مستقبل السودان عاجزاً عن تأمين حاضره.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.