السودان بين الهيمنة المصرية و العداء الإثيوبي: جيوسياسية الوجود على حافة الهاوية
د. عوض النقر بابكر
يعيش السودان، الدولة المحورية التي تربط القرن الأفريقي بشمال إفريقيا وحوض النيل، واحدة من أخطر المراحل في تاريخه الحديث والمعاصر. فبالتزامن مع حرب طاحنة استنزفت قدراته وأضعفت مؤسساته، يجد السودان نفسه محشوراً في زاوية ضيقة بين قطبي رحى إقليميين: مصر التي تُدار علاقتها به عبر ميكانيزمات هيمنة أمنية ونخبوية تاريخية توصف بـ “الابتزاز الإستراتيجي”، وإثيوبيا التي تمارس ضغوطاً وجودية ومواقف عدائية تتجلى بأجلى صورها في ملف سد النهضة والتوترات الحدودية في الفشقة.
هذا المقال التحليلي يسبر أغوار هذا المأزق الجيوسياسي، مفككاً دوافع الأطراف الثلاثة، ومبيناً كيف يُستغل الضعف السوداني الراهن لإعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة على حساب السيادة والمستقبل السوداني.
أولاً: السودان الجريح.. الدولة الرخوة ومسرح الاستقطاب
لكي نفهم طبيعة الابتزاز المصري والعداء الإثيوبي، لا بد أولاً من تفكيك الوضع الداخلي السوداني؛ فالدول الضعيفة أو “الرخوة” بطبيعتها تجذب النفوذ الخارجي وتتحول إلى مجالات مائية رخوة تتكالب عليها القوى الإقليمية.
أدى اندلاع الحرب الدائرة في السودان إلى:
* انهيار البنية التحتية والمؤسسية للدولة المركزية في الخرطوم.
* تفكك القرار السيادي وتنازع الشرعيات بين القيادة العسكرية ودوائر النفوذ الإقليمية.
* تحول السودان إلى ساحة خلفية لتصفية الحسابات عبر الوكلاء والمصالح الضيقة.
هذا الفراغ الاستراتيجي الهائل خلق حالة من السيولة السياسية، مما جعل القاهرة وأديس أبابا تتعاملان مع السودان لا كشريك ند، بل كجغرافيا مفتوحة لتثبيت الأمن القومي لكل منهما، بمعزل عن الكلفة الإنسانية الباهظة التي يدفعها الشعب السوداني.
ثانياً: مصر.. إستراتيجية الوصاية والاحتواء عبر “الابتزاز”
العلاقة السودانية – المصرية طالما اتسمت بما يُعرف بـ “وادي النيل والمصير المشترك”، غير أن القراءة النقدية المعاصرة تكشف عن تحول جذرى في الأداء المصري تجاه السودان، لا سيما في ظل النظام الحالي بالقاهرة، حيث تحولت العلاقة من شراكة جيرة إلى وصاية أمنية مقنعة.
1\. الابتزاز المائي وملف سد النهضة
تعتبر القاهرة أن قضية مياه النيل مسألة “حياة أو موت”. وفي هذا السياق، طالما نظرت مصر إلى السودان كامتداد لخط دفاعها الأول، مطالبةً إياه باتخاذ مواقف صدامية مطلقة ضد إثيوبيا في مفاوضات سد النهضة.
* عندما يحاول السودان موازنة مصالحه (مثل الاستفادة من طمي السد وتنظيم الري وفوائد الطاقة الكهربائية) بمعزل عن الإملاءات المصرية المطلقة، تُقابل الخرطوم بضغوط دبلوماسية وحملات إعلامية مصرية تشكك في وطنية القيادات السودانية.
* تخشى مصر أي استقرار حقيقي أو تحول ديمقراطي في السودان قد يفرز نخبة سياسية وطنية تضع مصلحة السودان المائية والاقتصادية أولاً فوق الاعتبارات المصرية، مما دفع القاهرة لتشجيع أطراف عسكرية ونخبوية تضمن استمرار التبعية الاستراتيجية.
2\. التلاعب بورقة الدعم السياسي
تستغل الدوائر المصرية حالة الحرب الراهنة في السودان لتقديم دعم مشروط يعزز الانقسامات ولا ينهيها. فالموقف المصري الرسمي، وإن كان يتشدق بوحدة السودان وسلامة أراضيه، إلا أنه يمارس دبلوماسية حافة الهاوية عبر:
* توفير منصات سياسية لبعض الأطراف المحسوبة على النظام القديم أو الحلفاء المفضلين، بغية هندسة المشهد السياسي المستقبلي بما يخدم المصالح الاستراتيجية المصرية في البحر الأحمر وحوض النيل.
* الضغط المستمر لضمان عدم توقيع أي تسويات سياسية شاملة تقوض النفوذ التاريخي لشبكات المصالح المرتبطة بالقاهرة داخل مؤسسات الدولة السودانية.
ثالثاً: إثيوبيا.. العداء البنيوي وأطماع الهيمنة في القرن الأفريقي
على الضفة المقابلة، لا تقل السياسة الإثيوبية شراسة، وهي تقوم على العداء البنيوي والمطامع التوسعية التي تتغذى على الضعف السوداني.
1\. الاستعلاء الجيوسياسي وسد النهضة
تنظر إثيوبيا إلى نفسها باعتبارها القوة الإمبراطورية الكبرى في القرن الأفريقي، وتنظر للسودان كدولة تابعة يجب أن تتقبل الحقائق الجديدة التي تفرضها أديس أبابا على نهر النيل الأزرق.
* فرضت إثيوبيا سياسة الأمر الواقع في بناء وتشغيل سد النهضة متجاهلة تماماً المخاوف الأمنية والبيئية والاقتصادية للسودان (ولا سيما سلامة السدود وحصص الري).
* استغلت أديس أبابا الحرب الدائرة في السودان للتهرب من أي اتفاقيات قانونية ملزمة لتنظيم ملء وتشغيل السد، معتبرة أن انشغال الجيش السوداني بحربه الداخلية فرصة ذهبية لتثبيت سيادتها المطلقة على موارد النهر.
2\. الأطماع الحدودية (منطقة الفشقة) والتغلغل الأمني
تاريخياً، لم تتوقف أديس أبابا عن دعم التعديات الزراعية على الأراضي السودانية الخصبة في منطقة الفشقة بمقاطعة القضارف عبر ميليشيات “الشفتة”.
* في فترات الضعف السوداني، تتسع هذه التعديات لتصبح أمراً واقعاً، وعندما يستعيد الجيش السوداني انتشاره على الحدود، تطلق أديس أبابا خطابات تصعيدية تتهم فيها السودان بالعدوان.
* علاوة على ذلك، تلعب إثيوبيا أدواراً استخباراتية عبر الانفتاح على أطراف سودانية مناهضة للجيش أو داعمة لتفكيك الدولة المركزية، بهدف ضمان بقاء السودان ضعيفاً وعاجزاً عن تشكيل تهديد إستراتيجي لمشروعها الإقليمي.
رابعاً: مأزق السودان البنيوي.. الرمال المتحركة بين القاهرة وأديس أبابا
إن المحصلة الكارثية لهذا الاستقطاب المزدوج تضع السودان أمام تحديات وجودية تمس مستقبله ككيان موحد:
1\. غياب العقيدة الاستراتيجية الوطنية:
عانت النخب السودانية من غياب رؤية استراتيجية بعيدة المدى تحيد الخلافات الإقليمية، فباتت كل جهة سياسية أو عسكرية تبحث عن ظهير إقليمي لحماية مصالحها الفئوية على حساب الأمن القومي الشامل.
2\. تبدد الثروات وضياع السيادة الاقتصادية:
بسبب هذا الصراع، يُحرم السودان من الاستثمار الأمثل لأراضيه الزراعية ومياهه، ويتحول إلى ساحة استنزاف للموارد بينما تتسابق القوى الإقليمية للسيطرة على حدوده.
3\. خطر التفتيت والتقسيم:
إن استمرار الابتزاز المصري الساعي للهيمنة التقليدية، بالتوازي مع العداء الإثيوبي الساعي لتثبيت نفوذ جيوسياسي في العمق السوداني، ينذر بتحويل السودان إلى كيانات فاشلة متناحرة.
خامساً: المخرج والحلول.. كيف يفلت السودان من مقص الاستقطاب؟
إن الخروج من هذه الكارثة يتطلب قراءة واقعية تبدأ من الداخل ولا تنتهي إلا بإعادة صياغة علاقات السودان الخارجية على أسس الندّية والمصلحة الوطنية:
* أولاً: استعادة الدولة المركزية وتوحيد القرار الوطني: لا يمكن لسودان ممزق أن يفرض احترام سيادته على جيرانه. إن الخطوة الأولى هي وقف الحرب الراهنة وتأسيس عقد اجتماعي وسياسي جديد يجمع السودانيين على مشروع جامع لا يقبل الوصاية من أي عاصمة إقليمية.
* ثانياً: الدبلوماسية المتوازنة: يجب التخلص من عقدة الاستقطاب الثنائي؛ فمصر جار استراتيجي يجب التعامل معه بمنطق الشراكة الاقتصادية والمائية المتكافئة لا التبعية، وإثيوبيا جار تاريخي يجب التعامل معه بمنطق المصالح المشتركة والترسيم الواضح للحدود لا بمنطق العداء الأبدي أو الاستسلام للأمر الواقع.
* ثالثاً: تدويل قضايا المياه والحدود وفق القانون الدولي: الرهان على التفاهمات الثنائية الهشة في ظل اختلال موازين القوى لم يعد مجدياً؛ لذا يجب نقل ملفات المياه والحدود إلى الأطر الإقليمية والدولية (الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة) لضمان حقوق السودان التاريخية والمستقبلية بحيادية.
خاتمة
إن السودان اليوم يمر بساعة اختبار مصيرية؛ فإما أن ينهض من رماد حربه بنخبة واعية تدرك خطورة الابتزاز المصري والعداء الإثيوبي وتُعيد بناء دولتها على أسس السيادة والندية، وإما أن يستمر مسرحاً لتصفية الحسابات الإقليمية، فتتلاشى الدولة السودانية التاريخية وتتفتت إلى كانتونات متصارعة. إنها معركة وجود لا تقبل القسمة على اثنين.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.