يصفوننا بالكسل، بكلمة تختزل شعبًا كاملًا في صورة نمطية لا تنصف تاريخه، ولا تعكس إسهاماته في محيطه العربي والأفريقي والإنساني. لكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح هو: كيف يُتهم شعب بالكسل، بينما أسهم أبناؤه لعقود في التعليم والصحة والبناء والتنمية داخل السودان وخارجه؟
نحن لا نبكي على الماضي، ولا نعيش على أمجاده، لكننا نعتز بتاريخنا، ونستحضر ما قدمه السودانيون لشعوب المنطقة من علم وعمل وتعاون وتكافل.
على مدى عقود، شارك المعلمون السودانيون في تطوير المؤسسات التعليمية بدول الخليج، وأسهم الأطباء والمهندسون والإداريون والفنيون في بناء قطاعات حيوية. حمل المعلم رسالته، وداوى الطبيب المرضى، وشارك المهندس في مشروعات التنمية، وأدى العامل دوره بإخلاص واجتهاد.
ولم تكن هذه الإسهامات منّةً على أحد، بل ثمرة تعاون بين شعوب تجمعها روابط الأخوة والمصالح المشتركة. فقد استفادت دول الخليج من خبرات السودانيين، ووجد هؤلاء فرصًا للعمل والاستقرار وإعالة أسرهم. وهي علاقة تكامل واحترام متبادل، أسهم فيها السودانيون إلى جانب أشقائهم من مختلف الجنسيات في مسيرة التنمية والتحديث.
كما امتد عطاء السودانيين إلى دول عربية وأفريقية وآسيوية أخرى؛ فعملوا في المدارس والمستشفيات والمؤسسات، وأسهموا في نشر المعرفة وتطوير الخبرات المهنية.. وكانت جامعة الخرطوم وغيرها من المؤسسات التعليمية السودانية وجهة لطلاب من دول مختلفة، عاد كثير منهم إلى بلدانهم للعمل في مجالات متنوعة.
فهل يُعقل أن يُختزل تاريخ هذا العطاء في كلمة «الكسل»؟
المفارقة المؤلمة أن السودان، الذي يمتلك موارد بشرية متميزة وخبرات واسعة، عجز عن توفير الظروف المناسبة لاستثمار طاقات أبنائه داخل وطنهم. واضطر كثير منهم إلى الهجرة بحثًا عن فرص العمل والاستقرار، لا لافتقارهم إلى الرغبة في بناء بلادهم، بل لأن الأوضاع السياسية والاقتصادية المتدهورة ضيّقت أمامهم سبل العيش الكريم.
وهنا يبرز السؤال الأهم: كيف وصل السودان إلى هذا التراجع، حتى أصبح ملايين المواطنين يواجهون النزوح والفقر وانعدام فرص العمل؟
لا يمكن تفسير هذه الأزمة بصفة مزعومة في شخصية السودانيين، ولا تحميل المواطن وحده مسؤولية واقع يكافح يوميًا لتجاوزه. بل ينبغي النظر إلى السياسات التي أضعفت مؤسسات الدولة، وأهدرت الموارد، وعمّقت الأزمات السياسية والاقتصادية، وأفسحت المجال للفساد والمحسوبية.
وتتحمل الحركة الإسلامية السودانية، التي حكمت البلاد منذ انقلاب عام 1989، مسؤولية سياسية وتاريخية عن حصيلة تجربتها، وما شهدته البلاد خلال سنوات حكمها من اختلالات مؤسسية واقتصادية وسياسية. وكان من المفترض أن تُوظَّف موارد السودان لبناء اقتصاد منتج، وتطوير التعليم والصحة، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الحكم الرشيد، لكن الأزمات تفاقمت، وتراجعت قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية.
ومن هنا، فإن مسؤولية الإسلاميين لا تنحصر في إخفاقات الحكم وتدهور الأوضاع المعيشية، بل تشمل ضرورة مراجعة الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي خلفتها سياساتهم.. فعندما تتراجع فرص العمل، وتتدهور الخدمات، وتتسع رقعة الفقر، ويضطر المواطن إلى مغادرة وطنه بحثًا عن لقمة العيش، يصبح من الظلم تحويل نتائج الأزمة إلى عيوب مزعومة في شخصيته.
إن وصف السودانيين بالكسل يتجاهل الأسباب التي أسهمت في تدهور أوضاعهم، ويحوّل إخفاقات السياسات العامة إلى اتهام جماعي للمجتمع. ومع ذلك، فإن الأزمة السودانية ذات جذور تاريخية متعددة، وأسهمت فيها أطراف وسياسات مختلفة، لكن طول فترة حكم الإسلاميين يجعل تقييم تجربتهم ومساءلتهم عن نتائجها أمرًا لا يمكن تجاوزه.
وفي المقابل، يستحق الأشقاء في دول الخليج التقدير على ما أتاحوه للسودانيين من فرص للعمل والاستقرار، وعلى العلاقات التاريخية والإنسانية التي تجمع شعوبنا. فقد وجد السودانيين فرصًا للعطاء وبناء مستقبل أسرهم، وأسهموا بدورهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للبلدان التي استقبلتهم.
ولا يحتاج السودانيون إلى التقليل من إنجازات الآخرين لإثبات جدارتهم؛ فالتنمية ثمرة جهود مشتركة، والأمانة والاجتهاد قيمتان إنسانيتان لا تحتكرهما جنسية بعينها. لقد عُرف كثير من السودانيين بالجدية وحسن المعاملة في أماكن عملهم، كما أسهموا في مجتمعاتهم دون ضجيج، وكافحوا لإعالة أسرهم رغم مشقة الغربة والابتعاد عن الأهل والوطن.
إن العامل السوداني الذي يقضي ساعات طويلة في عمل شاق، والطبيب الذي يداوي المرضى، والمعلم الذي ينقل المعرفة، والمغترب الذي يقتصد في نفقاته ليحوّل جزءًا من دخله إلى أسرته، لا يحتاجون إلى مديح مجاني، بل إلى إنصاف يحفظ كرامتهم ويعترف بجهودهم.
إن السودان لا يحتاج إلى الاكتفاء باستعادة أمجاد الماضي، بل إلى مشروع وطني يعيد بناء الدولة، ويستثمر في الإنسان، ويحارب الفساد، ويعيد الاعتبار للتعليم والصحة والإنتاج، ويوفر بيئة تتيح للكفاءات السودانية الإسهام في نهضة وطنها بدلًا من البحث عن مستقبلها خارجه.
نحن لا ندّعي أن السودانيين شعب بلا أخطاء، فكل مجتمع يواجه تحدياته ونقاط ضعفه. لكننا نرفض أن تتحول الأزمات التي صنعتها الحروب والسياسات الفاشلة وسوء الإدارة إلى اتهام جماعي لشعب بأكمله.
الكسل ليس تفسيرًا لتراجع السودان، كما أن جلد الذات لن يصنع مستقبلًا أفضل. المطلوب هو تشخيص أسباب الأزمة، ومحاسبة المسؤولين عن قراراتهم، واستعادة مؤسسات الدولة، وإتاحة الفرص أمام المواطنين للعمل والإبداع والإنتاج.
أفيقوا يا سودانيين، واعتزوا بتاريخكم، واحترموا أشقاءكم، وتمسكوا بقيم العمل والتعاون والكرامة الإنسانية.
فالسودان لا تنقصه العقول ولا الأيدي العاملة، وإنما يحتاج إلى السلام والحكم الرشيد، وإقامة دولة عادلة تضع الإنسان في مقدمة أولوياتها، بعيدًا عن نهج الحركة الإسلامية وسياساتها.
كفانا جلدًا للذات، ولنبدأ استعادة وطن يستحقه أبناؤه.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.