في ظل استمرار الحرب، وتراجع الدخول الفردية، واتساع رقعة الفقر، يأتي قرار سلطة الأمر الواقع في بورتسودان رفع سعر الدولار الجمركي ليضيف عبئاً جديداً إلى كاهل المواطنين، ويثير أسئلة صعبة بشأن أولويات السياسة المالية وقدرتها على حماية الناس في واحدة من أكثر المراحل الاقتصادية قسوة. فقد ارتفع السعر، وفق تقارير منشورة في 19 أكتوبر 2026، من 4346.65 جنيهاً إلى 5631.76 جنيهاً، بزيادة بلغت 29.6%، في خطوة قد تتجاوز آثارها دفاتر الجمارك لتصل إلى الأسواق وتكاليف الإنتاج ومعيشة الأسر.
ولا يعني رفع الدولار الجمركي أن سعر العملة الأميركية في السوق الموازية ارتفع بالنسبة نفسها، فالسعر المعتمد هنا يُستخدم لتقييم الواردات واحتساب الرسوم والضرائب المستحقة عليها. لكن هذه التفرقة الفنية لا تلغي الأثر المحتمل للقرار؛ إذ إن زيادة الأساس الذي تُحسب عليه الرسوم قد ترفع كلفة استيراد السلع ومدخلات الإنتاج، ثم تنتقل أجزاء من هذه الكلفة إلى المستهلك، بحسب طبيعة السلعة والرسوم المفروضة وهوامش الربح وحجم المنافسة في السوق.
وقال الخبير الاقتصادي د.وائل فهمي بدوي، في ورقة تحليلية نشرها في اليوم الأربعاء، إن الزيادة لا تعكس بالضرورة السعر الفعلي للدولار أو أسعار جميع السلع مباشرة، لكنه حذّر من أن أثرها قد يتجاوز الحصيلة الاسمية التي تتطلع إليها الخزانة العامة. فحين ترتفع كلفة الاستيراد في اقتصاد يعتمد على الخارج لتوفير الغذاء والدواء والوقود والآلات وقطع الغيار، يصبح احتمال انتقال الضغوط إلى الأسعار أمراً لا يمكن تجاهله، خصوصاً في ظل ضعف القدرة الشرائية واتساع احتياجات الأسر.
وتبدو المخاطرة أكبر عندما تشمل المدخلات المستوردة قطاعات لا تستطيع تعويضها سريعاً ببدائل محلية، مثل الزراعة والصناعة والنقل والطاقة. فارتفاع تكلفة الوقود والآلات وقطع الغيار والمواد الخام قد يدفع المنتجين إلى تقليص الإنتاج أو تأجيل الاستثمار أو رفع أسعار منتجاتهم لتغطية النفقات. وفي هذه الحالة، لا تتوقف التداعيات عند المستهلك النهائي، بل قد تمتد إلى فرص العمل وحركة التجارة وتوافر السلع وقدرة المنشآت الصغيرة على الاستمرار في سوق مضطربة أصلاً.
وعلى المستوى الاجتماعي، فإن الخطر الأوضح يتمثل في اتساع الفجوة بين الأسعار والدخول. فإذا ارتفعت تكاليف المعيشة بوتيرة أسرع من الأجور، تراجعت القيمة الحقيقية لما يتقاضاه العامل، وأصبحت الأسرة مضطرة إلى تقليص إنفاقها على الغذاء أو العلاج أو التعليم. كما قد تلجأ المنشآت التي تتراجع مبيعاتها أو تتآكل هوامش أرباحها إلى خفض العمالة. وهكذا يمكن لإجراء يُقدَّم باعتباره أداة لزيادة الإيرادات أن يتحول، إذا لم تُدرس آثاره وتُخفف أعباؤه، إلى ضغط إضافي على الفئات الأضعف.
ولا تقتصر الأسئلة على الأسعار. فرفع الرسوم قد يقلل بعض الواردات، لكنه لا يضمن تحسناً في الحساب الجاري أو ميزان المدفوعات. وإذا شمل التراجع الآلات والمواد الخام والوقود الضروري للإنتاج، فقد تتضرر القدرة على التصنيع والتصدير، وتتقلص فرص توليد النقد الأجنبي. كما أن انتقال التجارة إلى قنوات غير رسمية أو توسع التهرب الجمركي قد يقللان الحصيلة المنتظرة، بدلاً من زيادتها كما هو مأمول.
ومن هنا، فإن الحكم على القرار لا ينبغي أن يعتمد على ارتفاع الإيرادات الاسمية وحده. فالمبلغ الذي يدخل الخزانة قد يبدو أكبر بالأرقام، لكن قيمته الفعلية تتأثر بالتضخم وتراجع القوة الشرائية للعملة، فيما تتحدد الحصيلة النهائية بحجم الواردات الخاضعة للرسوم، ومستوى الالتزام، والقدرة على الحد من التهرب، وما إذا كانت التجارة الرسمية ستواصل نشاطها أم ستنكمش. وتبقى هذه أسئلة أساسية لا تجيب عنها نسبة الزيادة وحدها.
أما الدين الخارجي، فلا يرتفع مباشرة بسبب تغيير سعر الدولار الجمركي، لأنه مقوّم بالعملات الأجنبية، لكن تراجع قيمة الجنيه قد يزيد القيمة المحلية للدين وخدمته، ويضاعف الضغط على الموازنة. وفي ظل الحرب وتراجع النشاط الاقتصادي، تصبح أي سياسة مالية بحاجة إلى تقييم يتجاوز الحسابات قصيرة الأجل، ويرصد أثرها على الإنتاج والتشغيل والفقر والأسعار والعجز والحساب الجاري.
ودعا بدوي إلى إدماج السياسة الجمركية في إصلاح مالي وإنتاجي متكامل، يشمل حماية السلع الضرورية، ومراجعة الإعفاءات بشفافية، ومكافحة التهريب، وتوجيه الإيرادات إلى الإنفاق المنتج والحماية الاجتماعية. وتبرز هذه المقترحات بوصفها اختباراً لجدية الحكومة في موازنة احتياجات الخزانة مع كلفة القرار على المواطنين، لا سيما محدودي الدخل وأصحاب الأعمال الصغيرة.
ففي اقتصاد يواجه حرباً وانكماشاً وضغوطاً معيشية، لا يكفي إعلان زيادة في الإيرادات لتبرير أي إجراء مالي. المطلوب توضيح أهداف القرار، ونشر تقديرات أثره، وبيان السلع المعفاة أو الأكثر تعرضاً للزيادة، والإفصاح عن أوجه إنفاق العائدات، إلى جانب مراقبة الأسواق ومنع استغلال القرار لفرض زيادات غير مبررة. ومن دون هذه الضمانات، قد تدفع الأسر الثمن سريعاً، بينما تظل المكاسب المالية المتوقعة رهينة تراجع الاستيراد أو التهرب أو انكماش النشاط الاقتصادي.
ويضع رفع الدولار الجمركي سلطة بورتسودان أمام معادلة دقيقة: تحصيل إيرادات تحتاج إليها المالية العامة، من دون دفع الاقتصاد إلى مزيد من التباطؤ أو تحميل المواطنين أعباء لا تتناسب مع دخولهم. وبين الهدف المالي وكلفة المعيشة، يبقى معيار النجاح هو الأثر الفعلي على حياة الناس والإنتاج، لا مجرد ارتفاع الأرقام في سجلات الجمارك، مع نشر بيانات دورية تقيس أثره على الأسعار والإنتاج والتشغيل والقدرة الشرائية للأسر بصورة أكثر شفافية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.