دخل وفد من حكومة السلام معسكر كلمة للنازحين بولاية جنوب دارفور، في زيارة وصفها الوفد بالتاريخية، باعتبارها الأولى من نوعها منذ 23 عاماً، بهدف الوقوف على الأوضاع الإنسانية والصحية، والاستماع إلى مطالب النازحين، وسط تعهدات بتسخير الإمكانات الصحية المتاحة وتعزيز الرقابة على أداء المنظمات الإنسانية العاملة بالمعسكر.
وترأس الوفد رئيس الهيئة الوطنية للوصول الإنساني، الباشمهندس عز الدين الصافي، بمشاركة وكيل وزارة الصحة بحكومة السلام، الدكتور الأمين عثمان فلاتي، حيث عقد لقاءً مع قيادات المعسكر، شمل المنسق العام لشؤون المعسكرات والنازحين، يعقوب محمد عبد الله، ورئيس معسكر كلمة، إسحاق محمد عبد الله، إلى جانب مسؤولي السناتر الثمانية.
وبحسب المشاركين في اللقاء، يتجاوز عدد سكان المعسكر 600 ألف نسمة، فيما يضم كل سنتر أكثر من 80 ألف نازح، الأمر الذي يعكس حجم الاحتياجات الإنسانية والصحية ومتطلبات توفير الخدمات الأساسية للسكان.
مطالب عاجلة وسط معاناة ممتدة
واستعرض قادة السناتر خلال اللقاء الأوضاع المعيشية والصحية الصعبة التي يواجهها النازحون، مؤكدين حاجتهم الملحة إلى الغذاء والدواء ومياه الشرب النظيفة، في ظل تراكم الأزمات الإنسانية على مدى سنوات طويلة.
وتناول المتحدثون الانتهاكات التي قالوا إنهم تعرضوا لها خلال عهد النظام السابق، معتبرين أنها من الأسباب الرئيسية التي دفعتهم إلى النزوح، وأشاروا إلى أن الخوف من البطش والتنكيل حال دون عودة كثيرين إلى مناطقهم طوال نحو عقدين، بمن فيهم رئيس المعسكر نفسه.
ودعا قادة المعسكر حكومة السلام إلى ترجمة تعهداتها إلى إجراءات عملية تستجيب للاحتياجات اليومية للسكان، مع إعطاء الأولوية للخدمات الصحية والغذائية والمياه، بما يخفف من وطأة الظروف الإنسانية التي يعيشها النازحون.
وفي الجانب التعليمي، أشار المتحدثون إلى إقامة امتحانات الشهادة الثانوية داخل المعسكر للمرة الأولى في تاريخه، معتبرين الخطوة تطوراً مهماً في إتاحة فرص التعليم أمام الطلاب النازحين، ونسبوا الفضل في تحقيقها إلى جهود تحالف السودان التأسيسي.
العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات
وأكد عدد من قادة المعسكر أن قضية النازحين لا تقتصر على توفير المساعدات الإنسانية، بل ترتبط أيضاً بمطالب تاريخية تتعلق بالانتهاكات التي تعرضوا لها، مشددين على ضرورة محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، باعتبار أن تحقيق العدالة يظل مطلباً قائماً حتى في حال توقف الحرب.
واستحضر المتحدثون أحداث عام 2017، قائلين إن أبناء المعسكر قدموا 20 شهيداً رفضاً لزيارة الرئيس السوداني السابق عمر البشير إلى معسكر كلمة، في واقعة اعتبروها تعبيراً عن حجم المظالم التي يقولون إن سكان المعسكر تعرضوا لها على مدى سنوات.
الصحة تتعهد بتسخير إمكاناتها للمعسكر
من جانبه، استعرض وكيل وزارة الصحة بحكومة السلام، الدكتور الأمين عثمان فلاتي، محطات من معاناة سكان الهامش السوداني، متناولاً ما وصفه بسياسات التهميش والإقصاء التي مارستها السلطة المركزية بحق قطاعات واسعة من السودانيين.
وقال فلاتي إن سياسات الإقصاء والتصنيف أسهمت، بحسب تقديره، في تعميق الانقسامات بين مكونات المجتمع السوداني، مشدداً على أهمية معالجة جذور الأزمة التاريخية والعمل على إنهاء معاناة المتضررين.
وأعلن وضع الإمكانات الصحية المتاحة للوزارة في خدمة احتياجات معسكر كلمة، في ظل الكثافة السكانية الكبيرة والاحتياجات المتزايدة للعلاج والأدوية والرعاية الصحية الأساسية، مؤكداً أهمية توجيه الجهود نحو الاستجابة للمطالب الصحية التي طرحتها قيادات المعسكر.
الصافي يعلن تدشين مبادرة الإنعاش التنموي المبكر من كلمة
وفي ختام اللقاء، أكد رئيس الهيئة الوطنية للوصول الإنساني، الباشمهندس عز الدين الصافي، التزام الهيئة بالاضطلاع بمسؤولياتها تجاه النازحين، معلناً أن مبادرة الإنعاش التنموي المبكر، التي تستهدف إنهاء الاعتماد على الإغاثة والانتقال إلى الإنتاج، ستُدشّن من معسكر كلمة.
وأوضح الصافي أن المبادرة تستهدف الانتقال من الاستجابة الإنسانية القائمة على تقديم المساعدات إلى مسارات التعافي والتنمية والإنتاج، بما يسهم في تعزيز قدرة المجتمعات المتضررة على الاعتماد على مواردها وتحسين أوضاعها المعيشية.
كما أعلن عن انعقاد مؤتمر للقضايا الإنسانية خلال نوفمبر المقبل، متعهداً بمشاركة فاعلة لممثلي النازحين من مختلف معسكرات النزوح، بهدف إيصال أصواتهم وإشراكهم في مناقشة القضايا الإنسانية والمساهمة في وضع المعالجات المناسبة لها.
وشدد الصافي على أن الهيئة ستتابع أداء المنظمات الإنسانية العاملة في المعسكر، ومدى التزامها بمسؤولياتها تجاه النازحين، مؤكداً اتخاذ تدابير عاجلة إزاء أي منظمة يثبت تقصيرها في تنفيذ واجباتها.
واستعاد الصافي زيارته السابقة إلى معسكر كلمة قبل 21 عاماً، عندما كان يعمل موظفاً أممياً، في إشارة إلى امتداد الأزمة الإنسانية التي يعيشها سكان المعسكر. كما حيّا صمود النازحين وصبرهم ومثابرتهم رغم سنوات المعاناة، مؤكداً أهمية تحويل الالتزامات المعلنة إلى استجابة ملموسة تنعكس على حياتهم اليومية.
وتأتي الزيارة في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تعزيز الخدمات الإنسانية والصحية في معسكر كلمة، الذي يستضيف مئات الآلاف من النازحين وفق تقديرات المشاركين في اللقاء، وسط مطالب بتوفير الغذاء والدواء ومياه الشرب وتحسين الخدمات الأساسية، إلى جانب إيجاد حلول مستدامة تتيح للنازحين استعادة سبل العيش والعودة الآمنة والطوعية إلى مناطقهم متى توافرت الظروف المناسبة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.