كبرياء الساسة.. وتواضع الشعب لماذا لم يتواضع البرهان وزمرته مرة واحدة ليقولوا: كفى؟
يوسف عز الدين
تواضع الشعب حتى انحنى ظهره. تواضع وهو يغسل أرجل ضيفه، ويتقاسم رغيف الخبز اليابس في معسكرات اللجوء، ويعتذر للجندي في نقطة الارتكاز، رغم أنه صاحب الأرض.
تواضعنا حتى ظنوا أننا لا نستحق الحياة.
لكن، في المقابل، هناك كبرياء طغاة يرون الدماء أرقاماً في بياناتهم.
كل واحد منهم يرى نفسه إلهاً صغيراً لا يخطئ، ويرى الاعتذار ضعفاً، والتنازل خيانة.
بأي وجه حق يتصفون بالإباء، وهم لم يزرعوا ولم يحصدوا، بل تسلقوا على جماجم الأطفال والمعتقلين والنازحين؟
حتى متى يبقى الكرسي أغلى من دماء 13 مليون نازح؟
وحتى متى يظل صوت الرصاص أعلى من صوت أم تبكي ولدها؟
تواضع الشعب لله فرفعه الله بالصبر، وتكبر الساسة على الشعب، فحطّهم الله في أعين الناس.
والتاريخ لا يرحم المتكبرين؛ فكل من تعالى على شعبه سقط سقوطاً لا قيام بعده.
ألا هل من قلب يحسّ ليوقف هذا النزيف؟
تناسينا كثيراً، حتى ظنوا أن أعراضنا ضعف، وصمتنا خوف، وصبرنا عجز.
واكتشفنا أن العالم اليوم لا يحترم إلا الصوت العالي، ولا يسمع إلا لمن يصرخ.
تنازلنا عندما فتحنا بيوتنا للنازحين من كل بقاع السودان، دون أن نسأل أحداً منهم من أين أتى.
وتواضعنا عندما تقاسمنا اللقمة في معسكرات اللجوء في مصر وتشاد وإثيوبيا، حتى أصبحنا نحن الضيوف نكرم بعضنا بعضاً، لأن المضيف نسينا.
هكذا نحن.
هذا التواضع، في زمن السماسرة وتجار الأزمات، أصبح تهمة.
لقد علمونا في بيوت الطين أن الاحترام رفعة، وكان أهلنا يقولون: «الزول الكبير حكيم».
ونسينا أن الدنيا تغيرت، وأصبح التواضع في قاموس البعض يعني أنك لا تعرف حقك.
أما آن لنا أن نراجع تواضعنا؟
«تواضع تكن كالنجم لاح لناظرٍ
على صفحات الماء وهو رفيعُ
ولا تكُ كالدخان يعلو بنفسه
إلى طبقات الجو وهو وضيعُ»
نعم، نحن كالنجم، رفيعون بتواضعنا، لكن النجم أيضاً يحتاج إلى من ينظر إليه.
إذا لم نطالب بحقنا في العودة الكريمة، وبقوائم شفافة، وبوطن لا يُدار بالسمسرة، فمن سيطالب لنا؟
«إن التواضع من خصال المتقي
وبه التقي إلى المعالي يرتقي»
تجاوزنا عن الإساءة ليس نقصاً، بل هو من صميم ديننا وأخلاقنا.
لكن التراحم لا يعني أن نترك حقوقنا.
يا أبناء شعبي، تواضعنا كثيراً حتى حسبوا تواضعنا حيلة. حان الوقت لأن نرفع رؤوسنا قليلاً، لا تكبراً، بل اعتزازاً بالكرامة.
فمن تواضع لله رفعه، أما من تواضع للبشر الذين يتاجرون بقضيته فقد ظلم نفسه.
فلنتواضع لله، ولنتعزّ على من أراد إذلالنا.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.