حربٌ تستنزف الوطن، وغلاءٌ يخنق الشعب، وخطابٌ يبرّر الفشل ويحلم بالسلطة!
الإسلاميون الذين جاءوا إلى السلطة عبر انقلابٍ عسكري في يونيو 1989، فتح الباب أمام عقودٍ من القمع وتكميم الأفواه ومصادرة الحريات. ومنذ ذلك اليوم، دخل السودان نفقاً من الاستبداد، جرى فيه إقصاء الخصوم، وتقييد الصحافة، وتشريد المعارضين، وإخضاع مؤسسات الدولة لمشروع التمكين الحزبي. رُفعت الشعارات الدينية لتبرير احتكار السلطة، بينما كان المواطن يُدفع ثمن الصراع من حريته ولقمة عيشه وكرامته.
ثلاثة عقود لم تكن كافية ليتخلّص السودان من إرث ذلك الحكم؛ فبعد ثورة ديسمبر التي أسقطت البشير، لم تتوقف معركة النفوذ، وظلت أسئلة المسؤولية عن الماضي ومستقبل الدولة المدنية معلّقة وسط الانقلابات والحرب والانهيار. واليوم، بينما ينزح السودانيون وتتسع دائرة الجوع والفقد، لا يزال الجدل قائماً حول دور الإسلاميين وحلفائهم في المشهد الراهن، وحول محاولات العودة إلى السلطة أو التأثير في مسارها.
فأيُّ وطنٍ هذا الذي يُطلب من شعبه أن ينسى القمع، ويتجاوز الدماء، ويمنح الثقة مجدداً لمن ارتبط حكمهم في ذاكرة قطاعات واسعة من السودانيين بالاستبداد والإقصاء؟ إن التاريخ لا يُمحى بالشعارات، والسلطة ليست إرثاً تتناقله التنظيمات، والسودان ليس ملكاً لجماعة؛ إنه وطن شعبٍ دفع ثمناً باهظاً من أجل الحرية، ولن يكون الخروج من أزمته بإعادة إنتاج أسبابها.
إلى أين يقود الإسلاميون وحلفاؤهم السودان؟ إلى مزيدٍ من الحرب، واتساع رقعة الجوع والنزوح، وانهيار ما تبقّى من مؤسسات الدولة، أم إلى مستقبلٍ لا مكان فيه إلا للقوة والتضليل والتخوين؟
بعد كل هذه السنوات من الأزمات، لا يزال المواطن السوداني يدفع الثمن من أمنه ولقمة عيشه وكرامته، بينما تنشغل قوى سياسية بإعادة ترتيب تحالفاتها، وتأجيج الانقسامات، وتبادل الاتهامات، وكأن السودان ليس وطناً يتمزق، بل غنيمة يتصارع الجميع للسيطرة عليها.
أيُّ مشروعٍ هذا الذي لا يقدّم للشعب سوى الحرب والجوع والنزوح، ثم يطالبه بالصبر والتضحية، ويخوّن كل من يرفض استمرار المأساة؟
أخطر ما يواجه السودان ليس الرصاص وحده، الإصرار على إنتاج الأسباب ذاتها التي قادت البلاد إلى هذا الخراب. فحين تتقدّم حسابات السلطة على مصالح المواطنين، ويتحوّل الخطاب السياسي إلى وسيلة للتضليل والتحريض، يصبح الوطن رهينةً لمشروعات لا ترى في الشعب إلا أداةً للوصول إلى الحكم أو الاحتفاظ به.
لقد جرّب السودانيون حكم الإسلاميين، وعرفوا معنى الاستبداد وتكميم الأفواه، وخرجوا في ثورة ديسمبر مطالبين بالحرية والسلام والعدالة. لم تكن الثورة مؤامرةً على الوطن، كما يحاول البعض تصويرها، كانت صرخة شعبٍ ضاق بالفساد والقمع وانسداد الأفق.
واليوم، بعد كل هذا الخراب، ما زال بعض أنصار النظام السابق وحلفائهم يتصرّفون وكأن المشكلة ليست في تجاربهم السياسية، بل في الشعب الذي رفضهم، وكأن المطلوب من السودانيين أن ينسوا الماضي، ويتجاوزوا الحاضر، ويمنحوا أصحاب التجربة القديمة فرصةً جديدة للعودة إلى السلطة.
لكن بأيّ رصيدٍ سياسي؟ وبأيّ مشروعٍ لإنقاذ البلاد؟ وأيّ مستقبلٍ ينتظر شعباً يُطلب منه أن يصدّق الوعود نفسها، بينما تتضاعف معاناته كل يوم؟
الشعب لا يأكل الشعارات، ولا يجد في التخوين دواءً، ولا يستعيد بيته المفقود بالخطب الحماسية.
هناك ملايين النازحين الذين ينتظرون العودة، وأسرٌ تعجز عن توفير الغذاء والدواء، وأطفالٌ حُرموا من التعليم، وشبابٌ تبدّدت أحلامهم بين الحرب والبطالة والاغتراب. هؤلاء لا تعنيهم معارك استعادة النفوذ، ولا تنقذهم التحالفات السياسية، ولا تقنعهم المزايدات الوطنية التي لا تنعكس على حياتهم أمناً أو خبزاً أو كرامة.
إنها ثورة الجوع والنزوح والوجع المتراكم؛ ثورة واقعٍ يومي يفضح عجز كل خطابٍ سياسي لا يضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياته.
أما صناعة الفتن، وتوسيع دائرة الاستقطاب، والتلويح بالاتهامات، وترهيب المعارضين، فلن تمنح أي طرفٍ شرعيةً افتقدها في نظر قطاعات واسعة من السودانيين. فليس كل من يعارض الحرب خائناً، وليس كل من يرفض عودة الإسلاميين متآمراً، وليس احتكار الوطنية حكراً على تنظيمٍ أو جماعة.
الوطن ليس ملكاً للإسلاميين، ولا حكراً على حلفائهم، ولا مزرعةً سياسيةً يتوارثون حق إدارتها. السودان ملكٌ لشعبه بكل تنوعه، ومن حق هذا الشعب أن يختار من يحكمه، وأن يحاسب من يسيء إليه، وأن يرفض أي محاولة لفرض الوصاية عليه.
إن الرهان على الحرب لإعادة إنتاج السلطة رهانٌ على مزيدٍ من إضعاف الدولة وتمزيق المجتمع. والرهان على التضليل لتغييب الحقائق لن يصمد أمام واقعٍ يعيشه المواطن كل يوم. أما التكتلات التي لا يجمعها سوى الخوف من التغيير، فلن تصنع استقراراً، بل ستؤجل مواجهة الأسئلة التي لا بد من الإجابة عنها: كيف وصل السودان إلى هذا الحال؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية عن سياسات ساهمت في إضعاف الدولة وإغلاق أبواب الانتقال الديمقراطي؟
إن الطريق إلى إنقاذ السودان يبدأ بوقف الحرب، وفتح المجال أمام عملية سياسية مدنية شاملة، وإبعاد السلاح عن التنافس على الحكم، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق القانون، وبناء دولةٍ تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، لا على الولاء التنظيمي أو التمكين أو التخويف.
ولن يكون السلام حقيقياً إذا تحوّل إلى بوابةٍ لإعادة إنتاج الاستبداد، كما لن يكون الانتقال الديمقراطي ممكناً إذا ظل مستقبل البلاد رهيناً للقوى المسلحة ومشروعات الهيمنة السياسية.
إلى الإسلاميين وحلفائهم: كفّوا عن التعامل مع السودان وكأنه حقٌّ مكتسب لكم، وعن اختزال الوطن في بقائكم بالسلطة. لقد دفع السودانيون أثماناً باهظة، ولم تعد لديهم رفاهية احتمال تجارب جديدة من القهر والخراب.. إن الشعب الذي ثار من أجل حريته لا يمكن مطالبته بالتنازل عنها إلى الأبد، والمواطن الذي فقد بيته وأمنه ومصدر رزقه لن تقنعه الشعارات مهما ارتفعت أصواتها. فالأوطان لا تُحكم إلى الأبد بالخوف، ولا تُستعاد شرعيتها بالتخوين.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.