حين تسبق الأسعارُ الوعودَ، ويصبح الراتب ضيفاً عابراً.. عيشتين بألف جنيه وين الكرامة يا البرهان؟

محمد سراج محمد

المواد البترولية شحيحة، والمواصلات تلتهم الدخل، والتعليم ينتظر استقراراً لا يأتي، والعلاج وصل مرحلةً يخاف فيها المريض من فاتورة المستشفى أكثر من خوفه من المرض. أما الموظف، فيعمل شهراً كاملاً ليقضي بقية الشهر في البحث عن قرض جديد!
الأسعار تجري ماراثوناً، والرواتب تشارك في سباق السلحفاة، والأسرة المتوسطة أصبحت خبيرة في الاقتصاد: تحذف اللحوم من القائمة، وتؤجل العلاج، وتستدين لتسد ديناً، ثم تنتظر الراتب القادم لتكتشف أنه وصل متأخراً عن الأسعار كعادته.
وين الكرامة حقتك يا البرهان؟
حتى العلاقات الاجتماعية دخلت مرحلة التقشف؛ «صباح الخير يا جاري، إنت في حالك وأنا في حالي». ليس لأن السوداني فقد روح التكافل، بل لأن الجيب الخالي أصبح يخشى حتى الدعوات الاجتماعية!
لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الحرب والدمار والنزوح وتعطل الإنتاج عوامل أساسية في تعقيد الأزمة، وأن السودان لا يعيش مشكلةً يمكن حلها بقرار واحد. غير أن تعقيد الأزمة لا يعني أن تصبح المسؤولية مجهولة، أو أن تتحول الحرب إلى إجابة جاهزة عن كل سؤال.
مسؤولية البرهان والقيادة السياسية هي تحديد الأولويات ومتابعة أداء مؤسسات الدولة ومصارحة المواطنين بالنتائج. ويُقاس الأداء بخطط معلنة وتقارير تكشف ما نُفذ وما تعثر، لا بعدد الخطب عن الصمود والكرامة.
ومسؤولية المؤسسات المختصة أن تُترجم الخطط إلى نتائج: وقود متاح، ومواصلات أكثر انتظاماً، وأجور تُصرف في موعدها، ومدارس تستعيد الدراسة، وأدوية يستطيع المواطن شراءها. ويُقاس النجاح بتوافر هذه الخدمات وتكلفتها وانتظامها، لا بعدد الاجتماعات التي ناقشت أزماتها.
أما أطراف الحرب، فتُسأل عن أفعالها وآثارها على المدنيين والبنية التحتية، كلٌّ بحسب مسؤوليته وما تثبته الوقائع.
المطلوب ليس معجزةً تنهي آثار الحرب بين ليلة وضحاها، بل مؤشرات واضحة، وأهداف واقعية، ومحاسبة على النتائج. فالراتب الذي لا يغطي الضروريات ليس مجرد رقم ضعيف، والدواء غير المتاح ليس مجرد خلل إداري، والمدرسة المغلقة ليست بنداً مؤجلاً في تقرير؛ إنها حياة مواطن تتعطل كل يوم.
يا البرهان، الكرامة لا تُقاس بارتفاع الشعارات، بل بقدرة المواطن على شراء طعامه، وعلاج مرضه، وتعليم أبنائه.
فإذا كانت الأسعار أسرع من القرارات، والديون أسبق من الرواتب، والوعود أطول عمراً من نتائجها، فمن حق المواطن أن يسأل:
عيشتين بألف جنيه… وين الكرامة حقتك يا البرهان؟
السؤال ساخر، لكن الأرقام التي تقف خلفه ليست مضحكة. والإجابة لا تحتاج إلى شعار جديد، بل إلى نتائج يراها المواطن في السوق، والمستشفى، والمدرسة، وفي آخر الشهر حين يصل الراتب ولا يختفي قبل أن يقول: السلام عليكم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.