«العيش يا برهان!».. حكومة تعجز عن توفير الرغيف وتتحدث عن الأمن

تيسير المبارك

لم تصرخ المرأة ذلك اليوم في وجه البرهان لتصنع مشهدًا، بل لأن الرغيف صار أكبر من قدرتها على الاحتمال. ففي منطقة البرقيق بالولاية الشمالية، وبينما يهمّ الفريق أول عبد الفتاح البرهان بركوب سيارته وسط الحشود، ارتفع صوت امرأة تهتف: «العيش حبتين بألف جنيه». وجاء الرد، بحسب تقرير «تاق برس»، طمأنة بأن البلاد «محروسة» ولن تُطأطئ رأسها، وأن لا أحد سيحكم السودان إلا عبر الانتخابات. هكذا يُجاب جائع بخطاب عن السيادة.
قبل أيام فقط، أكدت ولاية الخرطوم أن لا زيادة في سعر الخبز، وأن الدقيق يصل من المطاحن إلى المخابز مباشرة دون وسطاء وبأسعار ثابتة. وبعدها بقليل رفعت المخابز الرغيف إلى 500 جنيه بزيادة 50%، وأغلقت أخرى أبوابها. فمن يصدّق نفي السلطات بعد اليوم؟
والأمر لم يتوقف. ففي 19 أكتوبر أوقفت شركات الدقيق البيع للمخابز في الخرطوم، فيما قال صاحب مخبز إن الشركات تحتفظ بالدقيق انتظارًا لارتفاع السعر بدلًا من تحمل الخسائر. وأمس قفز جوال الدقيق زنة 25 كيلوغرامًا من 155 ألفًا إلى 195 ألف جنيه خلال 24 ساعة، وتوقف عدد كبير من المخابز. ويقول نائب رئيس اتحاد المخابز إن الدقيق بات محصورًا عند تجار استاد الهلال، وتخلو مستودعات الوكلاء المتعاملين مع المخابز منه. أين الرقابة؟ وأين المخزون الاستراتيجي؟ وأين من يحاسب المحتكرين؟
لنضع الأرقام جنبًا إلى جنب. المعلمون يطالبون برفع الحد الأدنى للأجور من 12 ألف جنيه إلى 500 ألف. فإذا كان الرغيف بـ500 جنيه، فإن الحد الأدنى للأجر كله يشتري 24 رغيفًا في الشهر. هذا هو «الاستقرار» الذي تحدثنا عنه السلطة.
دولة في وضع الدفاع عن الذات
لا يعفي الحرب أحدًا من المسؤولية. فالدولة التي تستورد القمح والوقود وترى عملتها تتهاوى كان عليها أن تُعدّ شبكة أمان للخبز على الأقل، لا أن تكتفي بنفي الزيادات ثم الاعتراف بها بعد وقوعها. وقد وصل الدولار إلى حدود العشرة آلاف جنيه، وكل ارتفاع فيه يُترجم مباشرة إلى رغيف أصغر وسعر أعلى.
الشعوب لا تثور من أجل الشعارات، بل حين يعجز الأب عن إطعام أطفاله. والسلطة التي ترى في صرخة امرأة «إساءة» أو «مناكفة» تتجاهل أن هذه الصرخة هي أصدق استفتاء متاح الآن. فإن أرادت الحكومة الرد، فالمطلوب ليس خطابًا بل دقيق مدعوم بأسعار معلنة، ومحاسبة للمحتكرين، وجدول إمداد منشور للمخابز، وشفافية في كل جوال يدخل المطاحن.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.