أزمة الوقود في الخرطوم.. حين تعجز السلطة عن تأمين أبسط مقومات العودة

بقلم: نورا عثمان

 

يعود المواطنون إلى الخرطوم محمّلين بوعود الإعمار، فيصطدمون بطابور أمام محطة وقود. وهو مشهد تكرر في أغسطس وسبتمبر، وبات علامة على عجز إدارة تتحدث عن «العودة» ولا تؤمّن أبسط شروطها. ففي أواخر سبتمبر اصطفت مئات السيارات أمام محطات الخدمة، وقال سائق سيارة أجرة إنه ينتظر أحيانًا أكثر من ثماني ساعات للحصول على البنزين.

تحكي الأرقام القصة. فسعر جالون البنزين كان نحو 23 ألف جنيه في أبريل والجازولين 32 ألفًا، ثم قفزا في سبتمبر إلى 35 ألفًا و44 ألفًا داخل المحطات. أما السوق السوداء فتسجل نحو 60 ألف جنيه للبنزين، وما بين 56 و70 ألفًا للجازولين. ولا يتوقف الأثر عند السائق، إذ يقول مواطن من الخرطوم إن تأثير ندرة الوقود وارتفاع سعره يظهر في الخضروات والسلع الغذائية والنقل، وإن أكبر ضرر يقع على المواطن البسيط.

تؤكد وزارة الطاقة والنفط أن الوقود متوفر وأن لا أزمة عامة في الإمدادات، وأنها زادت الكميات المخصصة للخرطوم. وفسّرت الازدحام بأنه نتج عن عوامل منها تباطؤ بعض التطبيقات المصرفية التي أثرت على عمليات شراء الوقود. وأعلن وكيل الوزارة تحرك شاحنات محملة بنحو مليون وأربعمائة طن من الوقود نحو الولاية.

لكن الواقع في الشارع يقول غير ذلك. فحين تنفي الحكومة وجود أزمة والمواطن يقف ثماني ساعات، يتحول التصريح إلى جزء من المشكلة. ويشير مواطنون إلى أن بعض أصحاب المحطات يوقفون البيع رغم توفر البنزين انتظارًا لتسعيرة جديدة، ويرى مراقبون أن تكرار الأزمة يعود إلى ضعف التوزيع والرقابة المحلية وتنامي السوق الموازي. وهذه ليست مشكلة إمداد فقط، بل مشكلة حوكمة.

يشرح الخبير الاقتصادي عبد الوهاب جمعة أن السودان كان حتى 2011 مكتفيًا ذاتيًا من الجازولين والبنزين والغاز، وأن الإنتاج المحلي قبل الحرب كان يغطي 40% من الجازولين و60% من البنزين و60% من الغاز. وبعد توقف الإنتاج، صارت البلاد تعتمد كليًا على الاستيراد، ما يربط سعر الوقود بتقلبات الدولار الذي يقترب من حاجز الـ10 آلاف جنيه.

وهنا مكمن الاختبار: فالحرب سبب لا خلاف عليه، لكن إدارة الأزمة هي مسؤولية السلطة. وهي تملك الأدوات، من مخزون استراتيجي وجداول توزيع معلنة ورقابة على المحطات ومحاسبة المتلاعبين، ولم نرَ ما يدل على استخدامها بجدية.

المطلوب

شفافية في الأسعار، وجدول توزيع علني، وعقوبات على من يحجب الوقود لرفع سعره، وخطة تمويل لا تتحول فيها كل أزمة عملة إلى أزمة صفوف. أما الاكتفاء بالتطمين، فلن يملأ خزانات الناس ولا يغلق السوق السوداء.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.