أبو جيقة تفاهة الشر: وجه الطاعة العمياء التي تقتل

الصادق حمدين

 

“استخدام طاعة الأوامر كذريعة للهروب من المسؤولية الجنائية والأخلاقية لا يعفي المنفذ من تبعات الجرائم التي يرتكبها بناءاً على تلك الأوامر”. نصيحة قانونية مجانية لكل أبو جيقة يقنع نفسه بأنه مجرد عبد مأمور ينفذ ما تمليه عليه طبيعة وظيفته التي يعتاش منها.

ليس أخطر على الشعب السوداني من الطغاة الذين أصدروا الأوامر، إلا أولئك الذين نفذوها بلا تردد.

فالسلطة القمعية لا تطلق النار بنفسها، ولا تقتحم الشوارع بنفسها، ولا تملأ المعتقلات بنفسها. إنها تحتاج دائماً إلى رجال تخلصوا من نعمة العقل يقتنعون بأن واجبهم ينتهي عند حدود التنفيذ، وأن مسؤوليتهم الأخلاقية الجنائية تسقط بمجرد وصول الأمر من الأعلى.

وفي هذا المعنى، يصبح أبو جيقة أكثر من مجرد اسم. يصبح رمزاً لجيل كامل من رجال الأمن الذين وقفوا في مواجهة شعبهم وهم يعتقدون أنهم يحرسون الدولة، بينما كانوا في الحقيقة يحرسون سلطة خائفة من شعبها حد الرعب.

كان الشباب يخرجون إلى الشوارع مطالبين بالحرية والكرامة والعدالة، فيما كان أبو جيقة وأمثاله يرون فيهم تهديداً أمنياً يجب إسكاته. كان الثوار يحملون أحلامهم، بينما كان رجال القمع يحملون أوامرهم. وكان الصراع، في جوهره، بين من يؤمنون بحق الناس في الحياة، ومن يؤمنون بحق السلطة في إخضاع الناس وقهرهم.

المأساة أن كثيرين من هؤلاء الأبجيقات لم يروا أنفسهم مجرمين. كانوا يعتقدون أنهم يؤدون واجبهم الوظيفي. يطاردون المتظاهرين لأن هذه هي الأوامر. يعتقلون الناشطين لأن هذه هي التعليمات. يطلقون الرصاص لأن هذه هي التعليمات. وكأن الأوامر تستطيع أن تمحو الدم، أو أن تلغي المسؤولية الجنائية، أو أن تحول الجريمة إلى عمل قانوني مشروع.

لكن الحقيقة أبسط وأقسى من كل التبريرات.

فالإنسان الذي يوجه سلاحه إلى صدر شاب أعزل لا يصبح بريئاً لأن شخصاً أعلى رتبة منه أمره بذلك. والذي يشارك في إذلال المواطنين لا يصبح معذوراً لأنه يرتدي زياً رسمياً. والذي يسهم في صناعة الخوف لا يستطيع الاحتماء خلف المؤسسة عندما يحين وقت جرد الحساب.

لقد شهد السودان عبر تاريخه الطويل أنظمة كثيرة حاولت إخضاع الناس بالقوة، لكنها جميعاً احتاجت إلى رجال مستعدين للتخلي عن ضمائرهم في سبيل الطاعة. وهؤلاء هم الوقود الحقيقي للاستبداد. فالحاكم المستبد وحده لا يكفي، ما لم يجد من ينفذ أوامره، ويبرر أفعاله، ويحول إرادته إلى واقع مفروض على الناس.

 

لهذا فإن أبو جيقة ليس مجرد فرد، بل حالة سياسية وأخلاقية. إنه رمز لذلك الإنسان الذي يتوقف عن التفكير، ويتوقف عن التساؤل، ويتوقف عن رؤية ضحاياه كبشر. يرى الرتبة ولا يرى الحق. يسمع الأمر ولا يسمع صرخة الأم الثكلى. يخاف من مخالفة المسؤول أكثر مما يخاف من وخز ضميره.

 

ومن هنا تبدأ الكارثة. فالأوطان لا يدمرها المجرمون الكبار وحدهم، بل يدمرها أيضاً أولئك الذين يقفون في الصفوف الخلفية ويقولون إنهم كانوا مجرد منفذين. أولئك الذين يعتقدون أن الطاعة فضيلة مطلقة، حتى عندما تتحول إلى أداة لسحق الناس.

 

لقد سقط شهداء ثورة ديسمبر وما قبلها من ثورات وهم يحلمون بوطن لا يُقتل فيه الإنسان لأنه طالب بحقه. وطن لا تكون فيه البندقية أعلى من القانون، ولا الرتبة أعلى من العدالة، ولا الأوامر أعلى من الضمير.

 

أما أبو جيقة، بوصفه رمزاً، فسيظل شاهداً على حقيقة واحدة: أن الاستبداد لا يعيش فقط بمن يصنعونه، بل أيضاً بمن يخدمونه. وأن اللحظة التي يتخلى فيها الإنسان عن ضميره هي اللحظة التي يبدأ فيها الخراب، مهما كانت الشعارات التي يرفعها، ومهما كانت الأوامر التي يتلقاها.

 

فالأوطان تُبنى بالشجعان الذين يقولون “لا” في وجه الظلم، لا بالذين يتقنون تنفيذ الظلم بكفاءة واخلاص تعجز عن تنفيذه الكلاب في قمة وفائها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.