حمدوك يكشف خارطة الطريق لإنقاذ السودان من الانهيار

متابعات: عين الحقيقة

أكد رئيس الوزراء السوداني السابق، رئيس التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، د. عبد الله حمدوك، أن الأزمة السودانية لا يمكن حلها بالانتصار العسكري، مشدداً على ضرورة وقف الحرب والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تقود إلى استعادة الحكم المدني الديمقراطي وإعادة بناء الدولة على أسس المواطنة المتساوية والعدالة وسيادة القانون.

وقال حمدوك، في كلمة رئيسية خاطب بها، اليوم السبت، الجلسة الافتتاحية للمؤتمر السنوي لجمعية الأساتذة السودانيين الأمريكيين «ASAPA»، المنعقد عبر الوسائط الإلكترونية يومي 24 و25 أكتوبر الجاري، تحت عنوان «السودان ما بعد الحرب: خارطة طريق للحكم وإعادة الإعمار والمشاركة المدنية»، إن استمرار الحرب يهدد وحدة السودان وسلامة أراضيه، في ظل انتشار الجماعات المسلحة، وظهور مراكز سلطة متنافسة، وتصاعد الاستقطاب الإثني والجهوي.

ووصف الحرب، التي اندلعت في 15 أبريل 2023، بأنها تعبير عن أزمة عميقة تراكمت على مدى عقود من الحكم الاستبدادي وعسكرة السياسة والإقصاء والتنمية غير المتوازنة، محذراً من أن تدمير المؤسسات التعليمية والمرافق الصحية والبنية التحتية والقطاعات الإنتاجية أعاد البلاد عقوداً إلى الوراء، وعرّض جيلاً كاملاً من الأطفال والشباب لخطر فقدان فرص التعليم والعمل والأمل في المستقبل.

وشدد حمدوك على أن إنهاء الحرب وإصلاح الدولة مساران متلازمان، مؤكداً ضرورة إنهاء الحرب لإنقاذ الدولة وإصلاحها لمنع تجدد الصراع، ومعتبراً أن أي تسوية لا تعالج الأسباب الجذرية للحروب المتكررة ستظل عاجزة عن تحقيق سلام مستدام.

وفي استعراضه لدور القوى المدنية، قال حمدوك إن تحالف «صمود» نشأ بوصفه تحالفاً مدنياً ديمقراطياً واسعاً، يضم قوى سياسية ومهنية ومجموعات من المجتمع المدني ولجان المقاومة، إلى جانب أطراف أخرى ملتزمة بإنهاء الحرب واستعادة الحكم المدني الديمقراطي.

وأوضح أن القوى المدنية واصلت، رغم تراجع مساحة العمل السياسي السلمي وتشتت التحالفات وتشريد القيادات والناشطين، رفضها تحويل الحرب إلى واقع طبيعي أو مقبول، مشيداً بدور غرف الطوارئ والتنظيمات القاعدية والمجموعات النسوية والنقابات المهنية والحركات الشبابية والقيادات الأهلية والدينية في تقديم المساعدات الإنسانية ومساندة النازحين والحفاظ على الخدمات الأساسية وروابط التكافل الاجتماعي.

وأشار إلى أن جهود القوى المدنية تركزت على المطالبة بوقف فوري للأعمال العدائية وحماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وتعزيز الاتصالات الدبلوماسية مع الأطراف الإقليمية والدولية، والعمل على توحيد المواقف المدنية حول حد أدنى من الأجندة الوطنية تشمل إنهاء الحرب والحفاظ على وحدة السودان واستعادة المسار الديمقراطي.

وأكد أهمية تعزيز التقارب بين المبادرات المدنية المختلفة، معتبراً أن تطور الجهود من تأسيس تحالف «صمود» إلى إعلان المبادئ، وصولاً إلى القوى غير المنحازة، يمثل خطوات نحو بناء توافق مدني أوسع، داعياً إلى التعامل مع هذه المبادرات باعتبارها جهوداً متكاملة تستهدف إنهاء الحرب وصياغة مستقبل سلمي للبلاد.

وفي ما يتعلق بالجهود الدولية، رحب حمدوك بمبادرة الرباعية الصادرة في سبتمبر 2025، مشيراً إلى أنها أقرت بعدم وجود حل عسكري قابل للتحقق، ودعت إلى هدنة إنسانية تفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار وانتقال سياسي بقيادة مدنية، مع استبعاد حزب المؤتمر الوطني والجهات التابعة له فقط.

ودعا إلى تنسيق جهود الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيغاد» وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن أزمة السودان لا تعاني نقصاً في إعلانات السلام بقدر ما تعاني غياب التنفيذ الفعّال والإرادة السياسية المستدامة.

وحذر من أن استمرار تدفق الأسلحة والموارد والدعم الخارجي، إلى جانب اعتقاد الأطراف المسلحة بإمكانية حسم الصراع عسكرياً، وتشرذم القوى المدنية، وإرث الاستبداد، وتصاعد خطاب الكراهية، تمثل عقبات رئيسية أمام السلام. وطالب بوقف الدعم العسكري الخارجي الذي يسهم في إطالة أمد الحرب، واحترام سيادة السودان ووحدة أراضيه، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

وطرح حمدوك خارطة طريق للانتقال من الحرب إلى السلام وإعادة بناء الدولة، تقوم على خمسة محاور رئيسية: هدنة إنسانية فورية تفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار، وعملية سياسية سودانية شاملة ومستقلة، واستعادة الحكم المدني الشرعي، وإصلاح القطاع الأمني، وصياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية والعدالة والمشاركة الديمقراطية والتنمية المتوازنة.

وأكد أن بناء دولة ديمقراطية مستقرة يتطلب إنهاء تعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة المستقلة، وإقامة مؤسسة أمنية موحدة ومهنية تعمل تحت سلطة مدنية دستورية، إلى جانب معالجة التهميش التاريخي وإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والأقاليم على أسس أكثر عدلاً في توزيع السلطة والموارد.

وفي رسالته إلى المجتمع الدولي، دعا حمدوك الولايات المتحدة وشركاء السودان الإقليميين والدوليين إلى تكثيف الانخراط الدبلوماسي وتنسيق جهود الوساطة، مع إعطاء الأولوية لحماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية والتوصل إلى وقف موثوق لإطلاق النار، محذراً من أن استمرار التقاعس يفاقم المعاناة الإنسانية، ويزيد مخاطر تفكك الدولة، ويهدد الاستقرار الإقليمي.

وفي محور إعادة الإعمار، دعا حمدوك جمعية الأساتذة السودانيين الأمريكيين إلى النظر في إنشاء «شبكة المعرفة السودانية للسلام والتعافي وإعادة الإعمار»، بهدف تنظيم مساهمات الأكاديميين والمهنيين السودانيين في المهجر، وتوظيف خبراتهم في دعم السلام والتعافي الاقتصادي وإعادة بناء الجامعات والمؤسسات العامة وتطوير الحوكمة وتعزيز الحوار الوطني.

واقترح تنظيم منتدى متخصص حول التعافي وإعادة الإعمار في السودان بعد الحرب، بمشاركة العلماء السودانيين وممثلي المجتمع المدني وصناع السياسات ومؤسسات التنمية الدولية، لوضع خارطة طريق عملية للإعمار والإصلاح المؤسسي، مشدداً على ضرورة البدء في التحضير لهذه المرحلة قبل انتهاء الحرب.

ودعا حمدوك القوى المدنية إلى مراجعة أخطاء تجارب الانتقال السابقة، وتجاوز الإقصاء والتنافس السياسي، وبناء مؤسسات ديمقراطية مستدامة تستند إلى الشرعية الاجتماعية والمساءلة، محذراً من أن إعادة إنتاج أنماط الهيمنة السياسية والعسكرية ذاتها ستقود إلى تكرار الأزمات التي دفعت البلاد إلى الحرب.

وأكد أن مستقبل السودان يجب أن يتشكل وفق تطلعات شعبه، لا وفق طموحات أطراف الحرب، داعياً إلى تحويل المأساة الراهنة إلى فرصة للتجدد الوطني، وبناء دولة تُحل فيها الخلافات السياسية بالحوار والوسائل الديمقراطية، وتُضمن فيها المشاركة المتساوية للنساء والشباب، ويُحترم فيها التنوع، وتُوضع فيها قضايا السلام والعدالة في صدارة الأولويات.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.